صفحة 29 من 36 الأولىالأولى ... 192728293031 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 197 إلى 203 من 251
  1. رقم #197
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 10:58 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس الرابع





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة النور و هي قوله تعالى:

    ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

    [سورة النور]
    قبل أن نشرحَ هذه الآيةَ لا بُدَّ من مقدِمةٍ ؛ كتابُ اللهِ جلَّ جلالُه هو منهجُ الإنسانِ في الحياةِ، فيه أمرٌ وفيه نهيٌ، أمرَ اللهُ بأشياءَ ونهى عن أشياءَ و سكتَ عن أشياءَ، فالذي أمرَ به تتعلَّقُ به سعادتُنا في الدنيا و الآخرةِ كتعلُّقِك بوجود الهواءِ و الماءِ، فتنَفُّسُ الهواءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و شُربُ الماءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و تناولُ الطعامِ شرطٌ لبقائك حياًّ، وهناك أشياءُ تُلغِي الحياةَ، فتناوُلُك السُّمَ يَحْرمُك الحياةَ فهو حرامٌ إذًا، فالحرامُ هو اقض مع سرِّ وجودك، و الأمرُ الفرضُ الذي يتعلَّق وجودُك، إذا ذهبَ الطالبُ للدراسةِ، هناك شيءٌ متعلِّقٌ بالدراسةِ تعلُّقًا إيجابيًّا و شيءٌ يتعلَّق سلبيًّا، أن يقرأ هذا فرضٌ، أن لا يتناولَ المسَكِّناتِ و المُنَوِّماتِ هذا حرامٌ أمّا إذا سكنَ في الطابق الثاني أو الثالث فلا فرقَ، فهناك شيء له علاقة إيجابية بالهدف هو الأمرِ وشيءٌ له علاقة سلبية بالهدف هو النهيُ، وشيء لا علاقة له لا سلبًا و لا إيجابًا، تسكن في الثالث أو تأكل الفاصولياءَ هذه مباحاتٌ لا علاقة لها بسعادتك الدنيوية و الأُخروِية، فأول شيءٍ الله تعالى ـمرَ بأشياء و نهى عن أشياء و سكت عن أشياء، فالذي أمر به هو الفرضُ تتعلَّق به السعادةَ وهو شرطٌ أساسيٌّ لسعادتك، و الذي نهى عنه يحرِمُنا سعادتَنا، والذي سكت عنه حياديٌّ ليس له علاقةٌ إيجابية و لا سلبية بسعادتك ؛ هذه أشياء مباحة.
    الآن لِمُجَرَّد أنَّ الله تعالى أمر بأشياء، فهي إذًا أساسيَّة في حياتنا، ولِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن أشياء فهي أساسيَّة في حياتنا، أما الذي سكت عنه فهو حيادي لا إيجابي ولا سلْبي، فهذا تَمْهيد.
    التَّمْهيد الآخر، لو أنَّ لك مَحَطَّة وَقود، وكان هناك مكان للإعلان مُمْكن أن تكْتب بِهذا الإعلان ألف عبارة، أيَّةُ عِبارةٍ يجب أن تُكْتب ؟ ممنوع التدخين ‍، لماذا ؟ لأنَّ هذا النَّهْي مُتَعَلِّق بِسَلامة المحطَّة، أما الصَّبْر الجميل لا علاقة له بالسَّلامة، اِصْبر أو لا تصْبِر، فلِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن شيءٍ في كتاب الله يعني أنه شيءٌ خطيرٌ و مصيري، و بمجرَّد أنه أمر بشيء فهو أساسي، هذا منهج خالق الكون، فلمجرد أن جاء في كتاب الله آيةٌ تأمرنا بغضِّ البصرِ معنى ذلك أن إطلاق البصر يحجبُك عن الله، و ليست قضيَّةً ثانويَّةً من اللَّمَمِ، ما دام أن هناك آية تقول:

    ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

    [سورة النور]
    لو كانت علاقتُها حياديةً عن السعادة ما ذكرها الله إطلاقًا، و اللهَ لم يذكر أنواعَ الطعامِ في القرآن و لا نوع اللباس و لا نوع الأثاث و لا نوع البناء، هذه أشياء حيادية لا علاقةَ لها بالسعادة و الشقاء، فالذي سكت اللهُ عنه هناك حكمة بالغةٌ لا حدود لها من السكوت عنها، والذي أمرَ به ضرورةٌ و الذي نهى عنه خطورةٌ، فالذي أمرك به لا بدَّ أن تأتيه و الذي نهاك عنه لا بدَّ أن تجتنبه، لأنك إن لم تأتِ الذي أمرَك به تشقى و إن اقترَفْتَ ما نهى عنه تشقى، فعلاقة الأمر بالسعادة علاقةٌ إيجابيةٌ و علاقةُ النهيِ بالسعادة سلبيةٌ و الذي سكتَ عنه كتابُ اللهِ ليس له علاقة لا إيجابية و لا سلبية، فلمجرَّد أنه في كتاب الله أمرٌ معنى ذلك انه شيء خطيرٌ ومتعلِّقٌ بسعادتك، و ليس معقولا أن تطلِقَ بصرَك و تملأ عينيك من الحرامِ و تستمتِع بمنظر النساء الغاديات الرائحات في الطريق و تستطيع أن تتصل بالله عز وجل، النفسُ تُشغَل، هذه لها صفةٌ وهذه لها صفة أخرى، وهذه تفتقدها في زوجتك، فأنت تعيش في عالم الجنس، و أنت تعيش بمهمَّةٍ بسيطةٍ جدًّا، و لوقت قصير، ثم إلى الجنة فيها الحور العين، أحد الصحابة طلبتْ منه زوجتُه شيئًا لم يفعله النبيُّ فقال لها: اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنَّ على الأرض لغلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمس والقمر، فلَئِنْ أُضحي بكِ من أجلهن أهونُ من أُضَحِي بهن من أجلكِ، فالاستمتاع اللا متناهي في الجنة، و اللهُ قادرٌ أن يجعل النساء في مستوى واحدٍ، لكنَّ الدنيا كلَّها امتحانات، يمتحِنُ فلانةً بما أعطاها و فلانةً بما حرمها، و هذه تصبر وهذه ترضى، و الحظوظُ في الدنيا موَزَّعةٌ توزيعَ ابتلاءٍ و سوف تُوزَّع في الآخرة توزيعَ جزاءٍ، فلو نجح الفقيرُ في امتحان الفقر و رسبَ الغنيُّ في امتحان الغِنى لنَعِمَ الفقيرُ إلى أبد الآبدين بالغنى و لشقِيَ الغنيُّ إلى أبد الآبدين بالفقر، و الغِنى و الفقرِ بعد العرض على اللهِ، و لو نجح الضعيفُ في امتحان الضعف و صبر و رسب القويُّ في امتحان القوَّة لصار الضعيف قويًّا إلى أبد الآبدين و القويُّ ضعيفًا إلا أبد الآبدين، و هذا معنى قوله تعالى:

    ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

    [سورة الواقعة]
    دخل على النبيِّ رجلٌ قليلُ الشأنِ فوقف له النبيُّ وقال له: أهلًا لمن خبرني به جبريل" و قال النبيُّ صلى الله عليه و سلم:
    ((ابتغوا الرفعةَ عند اللهِ ))
    هذه مقاييس البشر، و اللهُ لم يعترِفْ بها، و ما ذكر إلا مقياسين مُرَجِّحَيْن بين البشر ؛ العلم و العمل الصالح، أما الوسامةُ و الذكاءُ و المال و الغِنى و القوةُ، هذه لم يعتمدْها القرآن و لا اعترف بها أما العلم فقال تعالى:

    ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

    [سورة الزمر]
    و اعترف بالعمل فقال تعالى:

    ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

    [سورة الأنعام]
    أحد التابعين كان قصير القامة أسمرَ اللونِ أحنف َالرِّجْلِ ـ أعرج ـ مائلَ الذِّقن ناتئَ الوجنتين غائرَ العينين ضيقَ المنكبين، ليس شيءٌ من قُبحِ المنظرِ إلا وهو آخذٌ منه بنصيبٍ، و كان مع ذلك سيِّد قومه، إذا غضب غضبةً غضِبَ لغضبتِه مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضِب، فعند الله مقياسان ؛ العلمُ و العملُ و لا تعبأ بغيرهما، أنا جدُّ كلِّ تقيٍّ و لو كان عبدا حبشيًّا، قال تعالى:

    ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)﴾

    [سورة المسد]
    إنه عمُّ النبيِّ و قال عليه الصلاة و السلام:
    ((سلمان منا آل البيت))
    ووقف أبو سفيانَ عند باب سيِّدنا عمر ساعةً لم يُؤذَن له و صهيبٌ و بلالٌ يدخلان بلا استئذان، فآلمَه ذلك، فلما دخل عليه قال: سيِّدُ قريش يقف ببابك ساعةً دون أن يُؤذَن له و صهيب و بلال يدخلان بلا استئذان فقال له عمر: أنتَ مثلُهما ؟ كنتَ تعذَّبه، وهو الذي اتبع النبيَّ في ساعة العسرة و لم يرَ في الدين مكاسبَ بل رأى مغارمَ، و الذي عرف الله قبل الفتح و قبل أن يعِزَّ الله الإسلامَ،
    فإذا اختار الإنسانُ الإيمانَ في وقت قوَّة الأعداء و ضعفه هو، فقد رحم نفسه من الدنيا لله و اختار ما عند اللهِ، فلذلك لمجرَّد أن ترى في كتاب الله أمرًا أو نهيًا فهو شيءٌ مصيريٌّ متعلِّقٌ بسعادتك الأبدية في الدنيا و الآخرةِ، ولو لم يكن مصيريًّا لمَا ذكره الله في كتابه أصلاً، فلمَّا قال تعالى:

    ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

    [سورة النور]
    حرف " مِنْ " هنا للتبعيضِ، يعني ليغضُّ بعضَ أبصارهم، لك أن تنظر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. " مِنْ " للتبعيض، غُضَّ البصرَ عن بعض النساء غيرِ هؤلاءِ، و هناك تبعيضٌ آخرُ، لو نظرتَ إلى المحارم عدا الزوجةِ لا تُدقِّقْ في التفاصيلِ و في الخطوطِ، و " من" الثانية لو نظرتَ إلى المحارم لا ينبغي أن تنظرَ لشهوةٍ و لا بالتدقيق و لا بالتفاصيل والمعنى الثالثُ لو نظرْتَ إلى امرأةٍ أجنبيةٍ خطأً غُضَّ بصرَك لصار هناك تبعيضٌ وقتيٌّ و تبعيضٌ نوعيٌّ و تبعيضٌ شخصيٌّ، في المنعطَفِ رأيت امرأةً ؛ الأُولى لك و الثانيةُ عليك، نظرتَ إلى محارمِك فبدون تدقيق هذا نوعيٌّ، و للأجنبيةِ خطأً تبعيضٌ وقتيٌّ، أمّا انظُر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. هذا شخصي، هؤلاء محارم لك أن تنظرَ إليهنَّ و ما سواهنَّ غُضَّ عنهنَّ البصرَ.
    قال تعالى:

    ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

    [سورة النور]
    و أجمل ما في الآيةِ أنَّ حفظَ الفرجِ جاء بعد غضِّ البصر لأن طريقَ حفظ الفرجِ غضُّ البصرِ، لا يُوجَدُ إنسانٌ لا يغُضُّ بصرَه يتورَّطُ في الزنا، و في الآيةِ إشارةٌ دقيقةٌ، ما قال الله:و يحفظوا من فروجهم" لو كان كذلك لصار هناك حالات من الزنا مُباحة، يغضُّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجَهم كُلِّيَّةً، قال تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

    [سورة المؤمنون]
    لذلك التبعيضُ للبصرِ أمَّا الجزمُ و القطعُ فللفرجِ.
    قال تعالى:

    ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

    [سورة النور]
    أقربُ إلى اللهِ و أطهر للقلبِ و أجمعُ للنفس،فإذا يغضَّ الإنسانُ بصرَه و يسلكُ في شهوةٍ أودعَها اللهُ فيه القناةَ النظيفةَ التي سمحَ بها يشعر بطمأنينةٍ و الله يقول:

    ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

    [سورة النور]
    هذه الخبرةُ الطبيبُ أمام المريضةِ له أن ينظرَ إلى موضعِ الدَّاءِ، و لو نظر إلى موضعٍ آخرَ فليس في الأرضِ جهةٌ تكشف ذلك إلا اللهُ، لذلك قفال تعالى:

    ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)﴾

    [سورة غافر]
    العينُ قد تخونُ لذلك:

    ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

    [سورة النور]
    و اللهُ يعرف إذا كان النظرُ بريئًا أو بشهوةٍ، نظرْتَ إلى موضع الدَّاءِ و إلى موضع آخرَ الله يعلم ذلك.
    فهذه الآيةُ أيها الأخوة من الآيات الدقيقةِ جدًّا، فالإنسانُ يصلِّي خمسَ مرَّاتٍ في اليومِ، أما إذا في الطريقِ مائةُ امرأةٍ فيصلِّي مائة مرَّة بغضِّ البصر:
    عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ يَقُولُ:

    (( حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
    [رواه الدارمي]
    و ما كان اللهُ ليعذِّب قلبًا بشهوةٍ تركها في سبيل اللهِ، لأن الصراعَ الداخلي مُزعِجٌ وإذا أخذتَ قرارا حازِمًا لا تشعر بضيق، و إذا كان الإنسانُ يُدخِّن في اليوم علبتين من السيجارةِ ؛ في رمضانَ يرتاحُ لأنه قرارٌ حازمٌ، و لماذا لا تتوق نفسُه في نهار رمضانَ، فلمَّا يأخذ الإنسانُ قرارًا حازمًا ليس عنده مشكلةٌ و إذا كان قرارُه غيرَ حازمٍ فإنَّه سيُواجه صراعًا سببُه قرارٌ غيرُ حازمٍ لغضِّ البصرِ، أمَّا لو اتَّخذ قرارًا حازمًا انتهى الأمرُ معه.
    الآنَ بقدرة قادرٍ و بحكمةِ حكيمٍ الذي يغُضَّ بصرَه عن محارم اللهِ يخلقُ اللهُ بينه و بين زوجته سعادةً لا تُوصَفُ نضيرَ غضِّ بصرِه، و الذي يطلق بصرَه في محارم الله يدفع الثمنَ غاليًا من سعادته الزوجية فبقدر غضَّ بصرك عن محارم اللهِ بقدرِ سعادتِك الزوجيةِ، و بقدر إطلاق بصرك بقدْرِ شقاوتِك الزوجية، هذه قواعدُ الدينِ وهذه أشياءُ أساسيَّةٌ حتَّى إن بعضهم سمَّى ذلك " مدرسة غضِّ البصرِ" قال تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

    [سورة المؤمنون]










    والحمد لله رب العالمين



     



  2. رقم #198
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 11:00 AM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس الخامس





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون والتي بعدها من سورة النور و هي قوله تعالى :

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    أوَّلاً، فعلُ الأمر يقتضي الوجوبَ في القرآن الكريم، و يشبهه الفعل المضارعُ المقترِنُ بلام الأمرِ كقوله تعالى:

    ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

    [سورة الطلاق]
    هذه لام الأمرِ، و إن كان الفعلُ مضارعا ولكن معناه الأمرُ، فكلُّ أمرٍ في كتاب الله يقتضي الوجوبَ، و لكنَّ علماءَ الأصول قالوا: هناك أمرُ وجوبِ وهناك أمرُ ندبٍ وهناك أمر إباحةٍ و هناك أمرُ تهديدٍ، أمرُ التهديد كقوله تعالى:

    ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

    [سورة الكهف]
    فهل من المعقولِ أن الله عز وجل يأمرُنا بالكفرِ؟! هو يهدِّدُنا إذا كفرنا، و المعنى ؛ إِفعلْ وانظُر ماذا سيكون، فهذا أمر تهديدٍ و هناك أمر إباحةٍ قال تعالى:

    ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾

    [سورة البقرة]
    فإذا الواحدُ استيقظ و ما أكلَ هل يُؤثمُ ؟ لا، لأنه أمر إباحةٍ، و أمر الندبِ هذا الأمر، و أمر الوجوب قال تعالى:

    ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

    [سورة المجادلة]
    قال تعالى:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

    [سورة النور]
    أي زوِّجوا، وهذه الواو للجماعة، فالأمر مُوَجَّهٌ لمجموع الأمَّةِ، و أيُّ أمر موَجَّه لمجموع الأمة هو موجَّه حكمًا إلى أولي الأمر و إلى أولياء الأمور، فأيُّ إنسانٍ تولَّى أمرًا من أكبرِ واجباته تزويج الشباب و الشابات لأنه فيما يبدوا لنا تزويج الشاب هي تلبيةٌ لحاجة أودعها الله فيه، أما على مستوى الأمنة فهو بناء أمَّةٍ، و الأمةُ إمَّا إنها تتقدَّم و ترقى عن طريقِ وحْداتٍ أُسريَّةٍ و إمَّا أنها تنهارُ و تتهاوى عن طريق الزنا، فنحن و إن لبّيْنا رغبةَ شابٍ في الزواج لكنْ في الحقيقة نبني أُمةً، و أهدافُ الزواج بعيدةٌ جدًّا، اُنظُرْ إلى شابٍ أخذ هندسةً وكلُّ الطرقِ أمامه مسدودةٌ ووازعُه الديني ضعيفٌ زلَّتْ قدمُه في الزنا فانتهى نهائيًّا، أمَّا إذا كان تعاونٌ و زوَّجناه فصارتْ له زوجةٌ و أنفق عليها و صار عملُه متقَنًا، و صار له دخلٌ وأتى إلى البيتِ بالطعام و الشراب و اللباس أسعدَ زوجتَه و سعد هو و أنجب الأولادَ، فبناء الأمة يبدأ من إنشاء الأسرِ، فلذلك الآنَ أعظم عمل هو تزويجُ الشباب، كنتُ قبل يومين أو ثلاثة أقرأ كتابًا لفت نظري دعوة زواج بُعِثَتْ لابني، و بطاقة الدعوةِ معها إيصالٌ مبلغ من المال مكتوبٌ اسمي عليه: هذا عِوض أن نبعث لك هديةً دفعنا لبناء ثانوية شرعية بدوما هذا الإيصالَ وكتبوا أنه إذا ترغب دفع أكثر، على مدخل مكان الدعوة فيه لجان مع الإيصال و دفعنا و الحمد لله، دخلنا للعرس و انتهت الحفلةُ، جمعوا التبرُّعاتِ أحدهم قال: عليَّ نصف مليون لتزويج الشباب و الثاني مائة ألف، قلتُ: هذا عقد قران مبارك بدأ بإيصالٍ و دفع استثنائي وجمع مليوني ليرة، فإذا كان عقلاءُ الأمة ما فكَّروا في تزويج الشبابِ فسيحِلُّ السفاحَ محلَّ النكاحِ، فإذا ما انتبهنا و عاونَّا، قريةٌ من قرى غوطة دمشق أنا أكبِرُها كثيرًا اجتمع عقلاؤها و قالوا: أعلى مهر هو خاتم وساعة فقط،
    سيِّدُنا شعيبٌ قال:
    ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

    [سورة القصص]
    هذا توجيه لنا، فنحن الآن أيها الأخوة كما ترون الفتنَ في الطريق مشتعلةً، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ونحن في عصْر الفساد والنِّساء الكاسِيات العارِيات، فلا عَمَلَ أجلّ مِن أن تُؤَمِّن لِشَابٍّ بيْتًا، وإذا كان الواحِدُ مَيْسور المال، وكان عندهُ بنات، وأمَّنَ لِكُلّ بِنت بيتًا صغيرًا بمائة متْر فقد تَجدُ البنْت شابًا بِأعلى مُسْتوى ولا بيْتَ له، فهذا عَمَلٌ عظيم وأنا لا أرى مِن عملٍ أعظم عند الله مِن تَحْصين الشَّباب والشَّابات بالزَّواج الشَّرعي، قلتُ لأحدهم: ألا تسْتطيع أن تُؤَمِّن بنايَةً تبْنيها بأرخَص المستلزَمات، وتُزَوِّج فيها الشَّباب، فالله تعالى قال:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

    [سورة النور]
    فلمَّا يَجِدُ الشاب غرفةً ومنافِعَها يسْتطيع أن يتزوَّج، فهذا أعظم عمَل فالذي عنده شباب وبنات، فلا بدّ أن يكون عَمَلَهُ الأوَّل تَزْويج الشَّباب والفتيات، لأنّ هناك فِكرة تقول: أنا كنتُ عصامِيًّا، ولا بدَّ أن أجْعَلَ ابني عِصامِيًّا ‍‍!! والله أعرف أُناسًا باعوا بُيوتَهم واشْتروا أربعة بيوت خارِج الشام، لِكي يُزَوِّجوا أبناءهم ؛ أنا هذا أَعُدُّه بطلاً، لأنَّ الشاب إذا زنى وكان الأب مَيْسورًا لَعُوتِبَ الأب، ويوم القيامة يقول: يا رب، لا أدخُل النار حتَّى يدْخل أبي !! أعرفُ رجلاً عنده أثنى عشرة بِنايَة، وابنُهُ يتمنى بيتًا يسْكُنُه لِكَي يتزوَّج ! مُدَّعِيًّا أن يسْلُكَ الابن ما سَلَكَهُ الأب !!! بيت متواضِع وأثاث مُتواضِع،
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

    (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

    [رواه الترمذي]
    والآية أكبر دليل، أوَّلاً الأمر مُوَجَّه لأولي الأمر فكلّ مسؤول بالوزارة عليه أن يحفظ النَّفقات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، وتيْسير البُيوت، وأنا أعرف واحد بِدَارِيَّا عمَّر عمارات كبيرة ورفض بيعَها ولكن تأجيرها للشَّباب المُسلِم، فنحن نريد بِناء مُجْتَمَع عن طريق تسْهيل الزَّواج، وهذا أعظم عمل.
    فالآية الأولى:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    الفقْر ليس عَيْبًا ولكن وِسام شرَف للإنسان المُستقيم، وبالجامع الصغير أثنى عشرة حديثًا تبدأ بِحَقّ الأب على ابنهِ، وحق الجار على جارهِ ولكنَّ حديثًا واحِدًا إذا قرأْتَهُ يقْشَعِرُّ جلْدك ؛ حق المسلم على الله أن يُعينهُ إذا طلبَ العفاف، وما شَكَى أحدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ضيقَ ذات يَدهِ إلا قال له: اِذْهَب فتَزَوَّج، وقال عليه الصلاة والسلام:
    ((مَن تَرَكَ الزواج خيفة العيلة فليس مِنَّا ))
    الله تعالى هو الذي يُغْنيه، واحْذَر أن تقول: ليس معه ! فهذا رجلٌ غنيّ تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ رجل مهندس فقال الأب: هذا معاشُهُ لا يكْفي يَوْمَين !! وبقُدْرة القادِر جل وعلا، أفلسَ هذا الغنيّ وتوسَّل لأحد الناس كي يتقدّم ذاك المُهندِس لِخِطبة ابنِهِ، وأغنى الله ذاك المهندس وأصبَحَ العمّ يشْتغل عند زوْج ابنَتِهِ !! والأمر الإلهي:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    ولو رأيتَ كيف أغنى الله أُناسًا كانوا فقراء تَدْهَش فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش، وإذا حاسَب فتَّش، وأذْكُرُ أنَّني زرْتُ واحِدًا في مَحَلِّه بدويلعة فإذا به يأكل علبة سرْدين من دون صَحن، ونائِم على طاولة التَّفصيل، وقال لي: عندي بيت ألف متْر مساحته، وحدائِق وثلاثة سيارات، فالله إذا أعطى أدْهش، فهذا أحدُ الأخوة تبرَّع لِجَمْعِيَّة خيْرِيَّة بِسِتَّة ملايين بيوت فأقام له أهل الجَمْعِيَّة حفلاً تَكْريمِيًّا، وأثنى عليه الجلوس، أما أحدهم فكان نبيهًا وقال: نحن عندنا سبعمائة أُسْرة مُنْتَفِعَة بهذه الجَمْعِيَّة، وكان مِن المُمْكِن أن يكون المُحْسن هذا أحدُ المُنْتَفِعين ولكن شاء الله أن يُعطي ولا يأخذ، فكما أنَّ الله تعالى أعْطاك يُمْكِن أن يترُكَكَ تأخذ، فالذي أعْطاهُ الله وأنفقَ لا بدّ أن يذوبَ خجلاً منه تعالى وهذا مِن فضْل الله عليك.
    إحدى الأُسَر كانت تأكل فجاء أحد الطرقاء للباب، فَهَمَّتْ الزَّوْجة أن تُعْطِيَهُ بعض الدَّجاج فَعَنَّفَها وقال لها: اُطرُديهِ ! بعد حينٍ ساءَت العلاقات فطَلَّقها، وتزوَّجَت مع إنسانٍ آخر، وفي أحد الأيام كانت جالسَةً معه وهي تأكل الدَّجاج فطَرَقَ الطارِق الباب: فإذا بها تضْطرب ! فقال لها: لمَ اضْطَرَبْت ؟ فقالتْ: إنَّهُ زوْجي الأوَّل ! فقال لها: أَو َتَدْرين مَن أنا ؟ أنا السائِلُ الأوَّل !!! فالله تعالى كبير، وقد يُفْقرك بِثانِيَة، وقد يُغنيك بِثانِيَة، فالإنسان يكون بحبوحة إذا كان في طاعة الله عز وجل.
    المُلَخَّص قوله تعالى:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    حاوِل أن تُساهِم أن تُزَوِّج شابًّا ولو بمائة ليرة، ولو بِقليل مِن الأثاث، ولو بِبَرَّاد، كي يُلغى السِّفاح ويَحِلَّ محلَّهُ النِّكاح.






    والحمد لله رب العالمين


     



  3. رقم #199
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 04:41 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس السادس



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون من سورة النور، وهي قوله تعالى:
    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    سألني أحدُ الإخوة البارحة بعد نِهايَةِ الدَّرس عن معنى كلمة الأيامى ومِن أدَقِّ معاني هذه الكلمة، وهي أنَّ الأيامى جَمْعُ أيِّم، والأيِّمُ هو الشَّخْص - ذَكَرتُ شَخْصًا لأنَّه يعني ذَكَرًا أو أُنثى - الذي لا طرف آخر له أعْزَبَ كان أو مُتَزَوِّجًا، أي فتاةً غير مُتَزَوِّجة أو فتاةً مُتَزَوِّجة ثمَّ طُلِّقَت، ولا زوْجَ لها، أو شابٌّ أعزبُ غير مُتَزَوِّج أو رجلٌ تزوَّج ثمَّ أصبَحَ دون تلك الزَّوجة، فأيُّ شَخْصٍ ليس له طرفٌ آخر وليس له نِصْف آخر، فهو أيِّم، فهذه الآية شامِلَة جدًّا:

    ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

    [سورة النور]
    بعض الأدْيان ابْتَدَعَ رِجالها الرَّهْبَنَة، وترْكَ الزَّواج، قال تعالى:

    ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا﴾

    [سورة الحديد]
    هم حينما كَتَبوها على أنفسِهِم أرادوا منها إرْضاء الله عز وجل، فالله هو الخالق، وهو الذي جَعَلَ هذا الدافِعَ مُتَغَلْغِلاً في أعْمَقِ قِيَمِ الإنسان وهذا لا يتناقَض مع أن تكون إنسانًا عظيمًا أو مُخْلِصًا أو مؤمنًا فالحاجة إلى الطَّرَف الآخر أودِعَت في أعْمَق أعماق كِيان الإنسان فالأنبياء تَزَوَّجوا، وكذا الصَّحابة الكِرام وهذا شيءٌ مِن سُنَّة الله تعالى في خلْقهِ، لذلك أشغاله فلابدّ مِن أن ينْصَرِف إلى طريق آخر غير مَشْروع، فدائِمًا إذا اتَّسَعت مساحة الزَّواج المَشْروع تضاءَلَتْ مساحة الزِّنا، وإذا ضاقَتْ مساحة الزواج المَشْروع تواسَعَت مساحة الزِّنا ولا سيما في عصْر الفتنة، والتَّفلُّت، ولا سيَما في زَمَن ضَعْف الإيمان وشَهَوات مُسْتَعِرَة، وكلّ شيءٍ يتحدَّث عن الجِنْس، الأزياء الفاضِحَة التي يُصَمِّمُها اليهود لِكَي يُفْسِدوا بناتِنا، ولذا كان للفقهاء حُكْمٌ في الزَّواج، فقالوا: مَن تاقَتْ نفْسُهُ للزَّواج وخَشِيَ على نفْسِهِ العنت فالزَّواجُ بِحَقِّهِ فرْضٌ كالصلاة، بل هو مُقَدَّم على فريضة الحج، ومن كانتْ حالتُهُ من دون الزَّواج مُتوازِنَة فهو في حقّهِ مُباح ومن لم يكن مُؤمنًا، وكان ممكنًا أن يظلِمَ زوْجتَهُ، أو أن يُفْسِدَها فهو في حقِّهِ مَكروه، أما السفيه فَزَواجُهُ مُحَرَّم لأنَّه سفيهٌ لِوَحْدِهِ فإذا تزوَّجَ أجْرَمَ بِحَقِّ الطَّرف الآخر.
    الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:

    ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

    [سورة النور]
    كنتُ أضْربُ مثلاً في باب الرِّزق، تُفاحةٌ نَمَتْ في غصْنٍ في أحَدِ البساتين، ففي علم الرِّزق هذه التُّفاحة لِفُلان، قال تعالى:

    ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾

    [سورة الذاريات]
    فمادام هذا الفم مَفتوح له عند الله تعالى رِزْق ولكنَّ هذه التُّفاحة طريق الوُصول إليها مُتَعَدِّد بِحَسَب اخْتِيار الإنسان، فلَكَ أن تَصِل إليها شِراءً ولك أن تصِل إليها هَدِيَّةً، أو سرِقَةً، أو ضِيافةً، أو تسوُّلاً، لذلك الدُّعاء الشريف:
    عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ قَالَ قُلِ:

    (( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ))

    [رواه الترمذي]
    وما مِن شَهْوةٍ على الإطلاق أوْدَعَها الله في الإنسان إلا وَجَعَلَ لها قناةً نظيفةً ومُريحَة، تفْعَلُها وأنت في أعلى درَجَات القُرْب وتفْعَلُها وأنت في أعلى درجاتِ التَّألُّق ؛ لأنَّها وِفْق المنْهَج، قال تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِي﴾

    [سورة المؤمنون]
    وقد ورَدَت في بعض الآيات كلمةٌ رائِعَة، قال تعالى:

    ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86)﴾

    [سورة هود]
    فما معنى بَقِيَّة الله ؟ هناك نساءٌ على عرْض الطريق، مَن بقِيَ لك منهنّ تَحِلُّ لك ؟ زوْجَتُكَ ؛ هذه بَقِيَّة الله، وهناك أموال لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فأيُّ الأموال المَشْروعَة التي بَقِيَتْ لك ؟ هي الأموال التي تكْسِبُها عن طريق مَشْروع، بَقِيَ لك مِن أنواع المال ؛ المالُ الحلال ومِن النِّساء الزَّوْجة، ومِن العُلُوّ في الأرض أن تكون طائِعا لله، فهو تعالى يرْفَعُ قدْرَكَ وذِكْرَك، فالذي بَقِيَ لك هو الذي شَرَعَهُ لك.
    الآن قوله تعالى:

    ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

    [سورة النور]
    فالإنسان إذا صَبَر، ولِكُلّ شيءٍ أوان، فَمَن تعجَّل الشيء قبل أوانِهِ جوزِيَ بِحِرْمانِهِ فما أجْمل في الإنسان أن يقْضِيَ حاجاتِهِ التي أوْدَعَها الله فيه وِفْق ما يُرْضي الله، وما أحْمَقَ الإنسان حينما يتعجَّل فيقْضي حاجاتِهِ فيما يُغْضِبُ الله، لذلك قال تعالى:

    ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

    [سورة النور]
    سأسْألكم هذا السُّؤال: لو أنَّ بالأرض هناك مليار ومائتان مسلْمٍ، فهل تُصَدِّقون أنَّ مُسْلِمًا واحِدًا يُكْرِهُ فتاتَهُ على البِغاء ويأكُلَ مِن زِناها ؟! فما معنى الآية؟ هذه الآية مُوَجَّه إلى المؤمنين، أَيُعْقل أن تقول لإنسانٍ وعالِمٍ جليل: إيَّاك أن تُكْرِه فتاتَكَ على البِغاء ؟! هذا لا يدْخُل في حِساباتِهِ كَمُسْلِم ! ولكنّ العلماء حَمَلوا هذه الآية على المعنى التالي: حملوا هذه الآية أنَّ الإنسان إذا تقَدَّم لابْنَتِهِ خاطِب، ولم يُوافِق الأب تَعَنُّتًا أو كِبْرًا أو ينتظِرُ مَن هو أفْضَل، أو مَن هو أغْنى، فَمَن فعَلَ هذا فكأنَّهُ قوَّى عُنْصر الشَّهْوة في ابنِهِ، فإذا زلَّتْ قَدَمُها فَهُوَ السَّبب، فَهُوَ ما أراد ذلك ولكنَّه أرْغَمَها على الزِّنا بِطَريقة أخرى، فلو أنَّ لك ابنًا يعْمل في مَحَلِّك، ولا تُعْطيهِ ولا دِرْهَمًا، وتقول له: لا تأخذ شيئًا فأنت تأكل في المنزل ما تريد !! فأنت حينما تحْرِمُهُ أن يسْحَب مِن الصُّندوق دخْلاً مَشْروعًا سوف يُفَكِّر مِن وراءِ ظَهْرِك، فَكُلّ مَن يُحْرم بعد الحِرمان فالذي حرمهُ له إسْهام كبير في ذلك، والآية عميقة جدًّا ولها مَدْلول بعيد، فلا يوجَد أبٌ على وَجْه الأرض يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا ! ونحن نقول: مسْلم والحالات الشاذَّة هذه تخرج عن النِّطاق فالأب المُسْلِم مُسْتحيل أن يُكْرِهَ فتاتَهُ على الزِّنا، أما حينما يتعنَّت الأب ويرْفض عَشَرات الخُطَّاب الصالحين المؤمنين لِغايَةٍ في نفْسِ يعْقوب فإذا زلَّت قدمُ إحْدى فتياتِهِ فهو السَّبَب، فالابن الذي يقول لأهْلِهِ زوِّجوني، ثمَّ يرى إعراض أهلهِ عنه، ويقولون له: لا تزال صغيرًا أو دَعْكَ مِن هذا الأمر الآن !! فهؤلاء إن ارْتَكَب ابنهم شيئًا فهُم السَّبب ! كَمَن يشْتغل عندك وتُعطيه ألف وخمسمائة شهْريًا في هذا العَصر وأنت ترْبح عشرة آلاف باليوم، فإذا سرقَكَ فأنت السَّبب لأنَّك قوَّيْتَ فيه عُنْصر أكل المال الحرام، ففي الآية تَوْجيه للأباء لطيف جدًّا فيَجِبُ أن تشْعُر بِحاجَة ابْنِكَ وابْنَتِكَ.
    أعرفُ رجلاً تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ عشرة خُطاب مِن أعلى مُسْتوى فكان الجواب الرَّفض، وفجْأةً هرَبَتْ ابنَتُهُ مِن البيت مع شاب أقلّ مِن هؤلاء الخُطَّاب بمائة مرَّة !! واخْتَفَت، ثمَّ جاءَتْهُ مُخابرة من والدِه ووضَعَهُ تحت الأمر الواقِع ! لماذا هرَبَتْ ؟! لذلك الآية الكريمة:

    ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

    [سورة النور]
    حينما يتعنَّتُ الأب فإنَّهُ يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في البنت أو الابن، فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، والإنسان ليس له الحق أن يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في ابنِهِ ولا في ابْنَتِهِ حينما يقِفُ مُتَعَنِّتًا، ويَضَعُ شرْطًا تَعْجيزيًّا في تزْويج ذُرِيَّتِهِ وطبْعًا هذا المعنى المُوَسَّع.
    قال تعالى:

    ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)﴾

    [سورة النور]








    والحمد لله رب العالمين




     



  4. رقم #200
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 05:01 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس السابع




    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السادسة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
    ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

    (سورة النور)
    أوَّلاً ؛ في بيوتٍ، هذه الكلمة جاءَتْ جمْعًا ونَكِرةً، فالتَّنكير للتَّعظيم والجمْعُ للتَّعَدُّد، ينبغي أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ لله عز وجل، وحاجة الناس إلى الدِّين كَحَاجتِهم إلى الهواء، فلو أنَّنا أنشأنا مُجمَّعًا سَكَنِيًّا فأوَّل شيءٍ ؛ يحتاجُ هؤلاء الذين قَطَنوا هذا المُجَمَّع إلى بائِعٍ يبيعُهم الحاجات الأساسيَّة، وإلى قصَّاب، وإلى بقَّال، وإلى طبيب، وإلى مُسْتَوصَف وإلى مَدرسة..إلخ ؛ هذه حاجات دُنْيَوِيَّة، وإنَّ أشَدَّ حاجةٍ للإنسان وهو في الدنيا مكانٌ يتعرَّفُ فيه إلى الله عز وجل، لذا أوَّلُ شيءٍ فعلهُ النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجَر إلى المدينة أنشأ مسْجِدًا، وقبل بيْتِهِ الشَّخْصي، وكان ضَيْفًا في بيت سيِّدنا أبي أيوبٍ الأنصاري، أقامَ ضيْفًا وأنْشأ مسْجِدًا، لذلك قال تعالى:

    ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

    (سورة النور)
    يجب أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ من بيوت الله، والمسْجِدُ أيُّها الأخوة له أخْطرُ دَوْرٍ في المُجْتمَعِ الإسلامي، وفي مجْتمع الانْحِطاط والتَّبعْثر والتَّخلُّف والتَّشرْذُم، وضَعف الإيمان بَقِيَ المسْجِد لإقامة الشَّعائِر التَّعَبُّدِيَّة، مع أنَّ مُهِمَّة المسْجِد أخْطر بِكَثير مِن أن يُصَلَّى فيه، وأقلّ مُهِمَّة للمسْجِد أن يُصَلَّى فيه والدليل قوله عليه الصلاة والسلام:
    ((ما جلسَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله...))
    فهذه إشارة إلى أنَّ أخْطر مُهِمَّةٍ هي تعليم كتاب الله، وأن يعْرف الإنسان مُهِمَّتَهُ في الحياة، وسِرَّ وُجودِهِ، وغايَةَ وُجودِهِ، وأن يتعرَّف إلى الله وإلى رسولهِ، وإلى منْهَج ربِّه، وإلى القرآن الكريم، وإلى سيرة أصْحابِهِ، وهذه مُهِمَّةُ المسْجِد، والكلمة جاءَتْ جمْعًا ؛ لتأكيد تعَدُّد بيوت الله تعالى، وثانِيًا تَنكير والتَّنكير للتَّعظيم قال تعالى:

    ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

    [سورة الحج]
    وقد كانت بِعَهْد النبي صلى الله عليه وسلَّم امرأة بأدْنى الدَّرجات الاجْتِماعِيَّة، كانت تَقُمُّ المسْجِد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه:

    (( أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))

    [رواه البخاري]
    فالصَّحابة رأَوْا مِن ضآلةِ شأنِها، وقلَّة قيمَتِها لا تستأهِل أن يُخْبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، حينها توجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبْرِها ودعا لها، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم خدْمةً لِبَيت الله يعتبر مِمَّن ساهم في بيوت الله تعالى، كأن يُكَبِّر الصوت والإضاءة، والتَّكييف، فالله تعالى:

    ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

    [سورة التوبة]
    مَن يَعْمُرها بِناءً، ومَن يعْمُرها بأداء الصلاة فيها، إقامة الدُّروس فيها، والمُجتمع الإسلامي أُسْرة، فهذا قدَّم مالهُ، وذاك قدَّم عِلْمَهُ، وهذا قدَّم قوَّته، والآخر سَعْيَهُ، قال تعالى:

    ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

    (سورة النور)
    لم يقُل تُبنى ! يجب أن يكون بناء المسْجِدِ عاليًا لِيتناسَب مع عظمة الله تعالى، قال تعالى:
    ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾

    [سورة الجن]
    لا يصْلُحُ المسْجِد لِذِكر أيِّ موضوع غير ذِكْر الله، لا لأشْخاص ولا لأفكارٍ مُعاصِرة، لا للدِّفاع ولا للهُجوم، فهذا مِنْبر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا المنبر له قُدْسيَّة كبيرة، وأيُّ إنسانٍ صَعِدَ المنْبر هو نائبٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في إبلاغ العِلم، فلا ينبغي أن يدْعُوَ مع الله إلهًا آخر، دَعُوا الدنيا لأهْل الدنيا، والمصالِحَ للطُّرُقات أما بيتُ الله ففيه دَعْوَةٌ خالصَةٌ إلى الله عز وجل.
    قال تعالى:

    ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)﴾

    (سورة النور)
    فهل المعنى أن تقول سبحان الله سبحان الله ؟ نعم هذا مُمْكِن، ولكنَّ الأعمق مِن هذا أن تذْكُر فضْل الله تعالى، وأن تتحدَّث عن أسْمائِهِ الحُسْنى، وعن صِفاتِهِ الفُضْلى، وعن رحْمَتِهِ، وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وكلامِهِ وعن كمال رسوله صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته عليه الصلاة والسلام، وعن منْهَجِهِ الدقيق، ومواقف أصحابِهِ البُطوليَّة.
    قال تعالى:

    ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

    (سورة النور)
    هل تعني كلمة رِجال في القرآن أنَّهُ ذَكَر ؟! لا فَكَلِمَة رجل أكبر مِن أن تعني ذَكَرًا، بل البَطَل، ما نوعُ رُجولَتِهِم ؟ أنَّهم لا تُلْهيهِم تِجارَةٌ ولا بيْعٌ عن ذِكْر الله تعالى، وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة، فهذا عرف مُهِمَّتَهُ في الحياة، ولا شيءَ مهما كان عَظيمًا يَشْغَلُهُ عن ذِكْر الله.
    وكلمة تُلْهيهِم هِيَ مِن اللَّهْو، واللَّهو أن تنْصَرِفَ إلى الخسيس عن النَّفيس وأن تشْتَغِلَ بالقُشور، وتَدَع اللُّبّ، وأن تشْتَغِلَ بالأصداف وتدع اللآلئ وأن تشْتغل بالدنيا وتَدَعَ الآخرة، فالإنسان يعْمَلُ في الدنيا، ويُؤَسِّسُ عملاً ومحلاًّ تِجارِيًّا، ويُؤَسِّس معملاً ومزْرَعَةً، ويتوظَّف وينال شَهادة عليا، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ مِن دون أن تشْغَلَك هذه النَّشاطات عن ذِكْر الله تعالى، وهذه هِيَ البُطولة، فما لله تعالى لله، وما لِعَبْدِ الله لِعَبْد الله فالصَّلواتُ تُؤدَّى في المسْجِد، ودُروس العِلْم يحْضُرها المؤمن ويُبَرْمِجُ حياتَهُ عليها، فكثير مِن الناس يُبَرْمِجُ حياتَهُ على الدنيا، وإن كان له فائِضٌ من الوقت يحضر مجلسَ عِلمٍ ! الأصْل أن تطْلبَ العِلْم، وأن تتعرَّف إلى الله، وتُؤَدِّي العِبادات، وهذا هو معنى قوله تعالى:

    ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

    (سورة النور)
    فالله تعالى ما قال: ولا شراء، وإنَّما قال: ولا بيْعٌ، فالبيْعُ مُحَبَّب وفيه رِبْحٌ، أما الشِّراء ففيه الدّفْعُ ! عَطَفَ الخاصّ على العام، عن ذِكْر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة يخافون يوْمًا تتقلَّبُ فيه القلوب والأبصار وهذا اليوم الذي وعَدَ الله فيه عبادَهُ، قال تعالى:

    ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

    [سورة الواقعة]
    فالإنسان يكون في الأوْج ويصبحُ بالحضيض وبالعكس.
    أيها الأخوة، قال تعالى:
    ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)﴾

    [سورة المنافقون]
    لا يُمكِنُ أن تلتهي بالخسيس عن النَّفيس، النَّفيسُ هو معرفةُ الله تعالى ومعرفةُ منهَجِهِ، والتَّقرُّب إليه بالطاعة، والخسيس هي الدنيا، والدنيا جيفةٌ طُلاَّبُها كلابها، والدنيا دارُ مَن لا دارَ له، ولها يسْعى مَن لا عقْلَ له، إنَّ الدنيا عرَضٌ حاضِر، يأكل منه البرّ والفاجِر، والآخرة وعْدٌ صادِق، يحْكُمُ فيهِ ملِكٌ عادِل، وإنَّ الله يُعطي الصِّحة والمال والذّكاء والجمال للكثيرين مِن خلْقِهِ، ولكِنَّهُ يُعطي السَّكينة بِقَدَرٍ لأصْفِيائِهِ المؤمنين.
    قال تعالى:

    ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

    (سورة النور)
    هذا الوقْتُ الذي تقْتَطِعُهُ مِن وقْتِكَ الثَّمين لأداء الصَّلوات في المسْجِد، ولِحُضور مجْلسِ العِلم، هذا وقْتٌ سمَّاهُ العلماء ؛ زكاة الوقْت، فكما أنَّ المال تُؤدَّى زكاتُهُ فيَحْفَظُ الله لك بقِيَّة المال من التّلَف، وقْتُكَ إذا أدَّيْتَ زكاتَهُ بِحُضور مجالسِ العِلم يحْفظ الله لك بقيَّة الوقت من التَّلَف، فقد ترتَفِعُ حرارة ابْنِكَ مِن طبيب لآخر إلى مُحَلِّل ومُصَوِّر، وتضعُ أثنى عشر ألفًا، وفي النِّهاية يُقال لك: الأمر على ما يُرام، فَكُلّ إنسان أدَّى زكاة وقْتِهِ بأداء العِبادات بإتْقان، وطلب العِلْم الشَّرعي، فإنَّ الله تعالى يحْفظ له بقيَّة وقْتِهِ، قال تعالى:

    ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

    [سورة الليل]
    هذا قانون التَّيْسير والتَّعْسير، لذا كلام العوام مِن أنَّ فلانًا محظوظٌ ذاك يَدُهُ خضْراء، هذا كلام لا أصل له، فالتَّيْسير والتَّعْسير لهما قانون فالذي يُؤَدِّي زكاة وقْتِهِ يطرحُ الله له البرَكَة في وقْتِهِ، ويقوم بأعمال تُكَلِّفُ الساعات الطِّوال بِساعة واحِدَة ! فمن صلَّى الصلاة بِوَقْتِها باركَ الله له بِوَقْتِهِ.
    فقوله تعالى:

    ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

    (سورة النور)
    هذه الآية مُتَعَلِّقَة بالوقت فهذا الإمام أبو حنيفة أحَدُ أسباب طلبِهِ العِلم هو اطِّلاعُهُ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مفادُهُ أنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ ! فأنت لن تَجِدَ تحت الوِسادة ألف ليْرة، ولكنَّ الله تعالى يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ جُهْدُهُ قليل ومرْدودُهُ كبير، فهذا هو معنى تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ، فطالبُ العِلْم مرْزوق، ومن سلك طريقًا يلْتَمسُ فيه عِلْمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضَعُ أجْنِحَتها لِطالبِ العِلْم رضًى بِما يصْنَعُ، فالذي يُؤَكِّدُ إنسانِيَّتَكَ طلبُ العِلْم، ولا يوجد إنسانٌ يؤْثر جانب الله إلا ويُعطيه الله الدنيا والآخرة، من آثَرَ دُنياه على آخرتِه خسرهما معًا، ومن آثر آخرتَهُ على دُنياه ربِحَهُما معًا.
    فالقصْد أن يغْتَنِمَ الإنسان وقْتَهُ في معرفة ربِّه ومنهجه تعالى، ومعرفة نبيِّهِ صلى الله عليه وسلَّم، وما سرُّ وُجودِهِ ؟ وغايَةُ وُجودِهِ، وكيف يبيع ويشْتري ؟ وكيف يُربِّي أولاده ؟ وكيف يُزَوِّج ؟ فالناس يقعون في الحرام والظُّلم، والمصائب تأتيهم من كلّ جانب مِن جهْلهم بالله تعالى وبالتالي بِخروجِهم عن منهَج الله، وبالتالي تَحَمُّلهم العِقاب الإلهي، لذا لا بدّ مِن طلب العلم على كل مسْلم، وهذا مهما كان اخْتِصاصُك، ووظيفتُك قال تعالى:

    ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

    (سورة النور)
    أوحى ربُّك إلى الدنيا أنَّهُ مَن خَدَمَني فاخْدُميه ومن خَدَمَكِ فاسْتَخدميه وما أحبَّ عبدٌ الدنيا إلا انفرط منها بِثَلاث ؛ شُغْلٍ عناه، وأملٍ لا يُدْرِكُ مُنتَهاهُ وفقْرٍ لا يبْلُغُ غِناه ! وإنَّ أسْعَدَ الناس في الدنيا أرْغَبُهم عنها، وأشْقاهُم فيها أرغَبُهم فيها ! خُذْ مِن الدنيا ما شئْت وخُذ مِن قَدَرِها همًّا، فَحَجْمُ الهُموم يتناسَب مع حجْم الدنيا، وقد يموت الإنسان بالسَّكْتة القلبيَّة من جرَّاء الدنيا.





    والحمد لله رب العالمين




     



  5. رقم #201
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 05:43 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس الثامن



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية التاسعة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
    ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    شُعور خَيْبَة الأمَل مِن أشَدِّ المشاعرِ إيلامًا بالنَّفْس ! فالتاجِر يبْذُل الجُهد سَنَواتٍ مُضْنِيَة في البيْعِ والشِّراء، وتَحْصيل الثَّمَن، وتسْليم البِضاعة ثمَّ تكْتَشِفُ أنَّكَ خاسِرٌ فيها ! فهذه الجُهود انْتَهَتْ إلى خسارة.
    تشْتري محلاً تِجارِيًّا بِأعلى مبْلَغٍ، لِتُقيمَ فيه مَشْروعًا حَيَوِيًّا، ثمَّ هذا المَشْروع لا ينْجَح، بنَيْتَهًُ على مُعْطَياتٍ أُلْغِيَتْ ! في بعض شركات السِّياحة لها مواقف في حِمص، المحلّ أصْبح ثمنُهُ ثلاثون مليونًا فجْأةً تحوَّل وأصْبَحَ ثَمَنُهُ خمسة ملايين !! خَيْبَةُ الأمل مُؤْلِمَة جِدًّا، تضَعُ ثقَتَكَ بإنسانٍ ثمَّ تَجِدُهُ نصَّابًا ! تُؤَسِّسُ مشْروعا ليس له جَدْوى اقتصادية إطلاقًا تشْتري بيتًا فإذا بِهَنْدَسَتِهِ خاطِئة !! وتشتري أرضًا بأعلى سِعْر فإذا هي مُسْتَمْلَكَة ! أنا الآن أضْرِبُ لكم أمثلةً من خيْبات الأمَل، قد تُعَلِّق أمَلَكَ بابِنِكَ فإذا به يُسافِر ولا يُهاتِفْكَ ! ويتزوَّج أجْنَبِيَّة ويسْتَقِرّ هناك، ولا هاتف ولا رسالة !! وتُعَلِّق آمالا على زوجة فإذا بِكَ تراها مُنْحازَةٌ إلى غيْرِكَ ! مشاعِرُ خَيْبَةِ الأمَل لا توصَف، فالله عز وجل وصَفَ عَمَل الكافِر، وما سَيُصيبُهُ مِن خَيْبة أمَل كسَرابٍ ؛ كإنسانٍ يمْشي في الصَّحراء وهو في حالةِ عطشٍ قاتِلَة، لمَحَ بِرْكة ماء، فأشْرق في نفْسِهِن نورٌ مِن الأمَل، فلمَّا وصل إلى البرْكة لم يَجِدْها ماءً ولكنَّها سرابٌ ! لذلك الإنسان في الدنيا وهو في مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المال هو كلَّ شيء، وبعدَ حينٍ يرى أنَّ المال شيئًا، وليس كلّ شيءٍ، فَقُبَيْلَ الموت لن يراهُ شيئًا، وفي مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المرأة كلَّ شيءٍ، وبعد حينٍ يراها شيئًا وليس كلَّ شيءٍ فَقُبَيْلَ الموت لن يراها شيئًا ! فالله عز وجل يُبَيِّن لنا ؛ أنَّهُ قبل أن نصِلَ إلى هذه التَّجربة المُرَّة، فَمِن العَقل أن تصِلَ إلى الشيء قبل أن تصل إليه ! فالطبيب يقول لك: الدُّخان يُسَبِّبُ جَلْطةً ؛ هذا كلام، فإذا كان هناك عَقْلٌ راجِحٌ أقْبلُ هذا الكلام، وأسْتجيبُ له، وإن لم يكن هناك عقْل راجِح حينما يأتي المرض العُضال أتأكَّدُ مِن كلام الطبيب ولكن قبل فوات الأوان ! من هو العاقِل ؟ هو الذي لا ينْدم، ومن هو الجاهل؟ الذي لا يسْتَخْدمُ عقْلَهُ، هاك مثلٌ بسيطٌ، بعتَ بيتَك بعملة أجنبيةٍ و معك في جيبك جهاز لكشف زيف هذه العملة أو صحتها، قبضتَ الثمنَ كاملًا و عددْتَه بالتمام و ما خطرَ ببالك أن تستخدم الجهازَ فإذا العملة كلُّها مزوَّرة فذهب البيت سدًى و أنت محاسب قانونيًا، ومعك جهاز تستخدمه في ثانية أليس هذا يستدعي أشدَّ الندم، الآية دقيقةٌ جدًّا، قاتل تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

    [سورة النور]
    يا ربي أنا أنجزْتُ مشروعًا حضاريًا مثل مُجمَّع سياحيٍّ ـ مسابح و ملاعب و نادي ليلي ـ و يوم القيامة ماذا عملتَ ؟ماذا فعلتَ في الدنيا ؟ كنتَ سببَ الفساد و سبب فساد الأسر و انحراف الشباب و انغماس الفتيات في الملذاتِ المحرمة و ضياع الشرف و الكرامة، مشروع حضاري ‍قال تعالى:

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    أيها الأخوة الكرام ؛ ألصقُ شيءٍ فيك هو عملك، كل شيءٍ يزول بعد الموت و يبقى العمل، و القبر صندوق العمل، واسألْ دائمًا ما عملي ؟ يا بشر لا صدقة و لا جهاد فبِمَ تلقى اللهَ إذًا، فإذا كان عملُ الإنسانِ محرَّمًا أو بضاعته محرمةٌ أو طريق التعامل محرم فلْيَصْحَ قبل فوات الأوان، لأن الله قال:

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    يا ربي تركتُ لأولادي الملايين و لكنِّي لم أُربِّيهم، ليس هذا هو العملُ، أنفقوا هذا المالَ في المعاصي فكل ذلك في صحيفة الأب، يا ربي لا أدخل النارَ حتى أُدخِل أبي، هو سببُ شقائنا و ما علَّمنا و لا وجّ‍هنا، سؤالٌ كبيرٌ ؛ ما عملُك؟ هل لك عمل ؟ هل ربَّيْت أولادك ؟ و هل دخلُك حلالٌ ؟ و تجارتك مشروعة؟

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    يا ربي أنشأنا مستشفى من أعلى مستوى، ولكنَّ الفاتورة مدهشة، فليس عملا خيريًا،

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    يا ر بي أنشأنا معهدًا مختلطًا حضاريًا، فكم من علاقة شائكةٍ بين الذكر و الأنثى في هذا المعهد؟! الذي أسَّسه هو السبب،

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    يا ربي أقمتُ تجارةً واسعةً من أجل الترفيه على الناس، استوردَ الأفلامَ و وزَّعها و لاقتْ رواجًا كبيرا،

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    هنا ك الآلاف من الأمثلة عمل يبدو للناس عظيما،

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    الكافر أنبأنا اللهُ أنه سوف يلقى هذا الجزاءَ، سوف يجد عمله الذي عمله في الدنيا و الذي يبتغي به الرفعةَ عند الناسِ و الثروةَ و الانغماس في الملذَّاتِ المحرمة، هذا العمل قال تعالى:

    ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

    [سورة النور]
    ما فائدةُ الدينِ ؟ الله الخبيرُ بيَّن لك في أولِ حياتك، هذا الشيءُ هكذا حجمُه، و الدنيا جيفةٌ و طلَّابها كلابٌ، و لو أن الدنيا تعدل عند الله.."
    يا دنيا طلَّقتُكِ بالثلاث،غُرِّي غيرِي، شأنُكِ حقيرٌ و أمدُكِ قصيرٌ، هكذا قال سيدُنا عليٌّ، فلذلك الإنسانُ يسأل هذا السؤالَ وهو أخطرُ سؤالٍ ؛ ما العملُ الذي أُقدِّمه للهِ عند الموتِ ؟ الذي ربَّى أولادَه تربيةً دينيةً هذا العملُ يلقى اللهَ به و يستحِقُّ به دخولَ الجنةِ، فالأُبُوَّةُ الصالحةُ تكفي لدخول الجنةِ و البُنُوَّة الصالحةُ تكفي، و أن تختار حرفةً مشروعةً و أن تسلكَ بها الطرقَ المشروعةَ و أن تكفيَ نفسَك بها و أن تعينَ المسلمينَ على دنياهم، هذا العمل تدخل به الجنةَ، وإن طلَبْتَ العِلْم وعَلَّمْتَهُ تدْخل به الجنَّة، ونحن سؤالنا اليوم: ما العَمَل الذي يُؤَهِّلُني لِدُخول الجنَّة ؟ الإنسان لا يكون مُسْتَهْلك، فَيُمكن للإنسان أن يُمْضِيَ الوقت رتيبًا ؛ أكلنا وشَرِبنا، ولبِسنا، وتاجَرنا، وتنزَّهْنا إلى أن يأتي الموت ! لا تَكُن مُسْتَهْلكًا، واجْلِس مع نفْسِكَ جلْسة تتأمَّل كيف ألقى الله، وبأيِّ عملٍ ألقى الله، عبْدي بَعَثْتُكَ إلى الدنيا، وأقَمْت فيها ثلاثًا وثمانين عامًا، الآن جِئْتنا ماذا فَعَلتَ ؟ خمسون سنة وهو يَدْعو إلى الإلْحاد، فجاء ملك الموت ! ماذا فَعَلْتَ في الدنيا ؟ أكَّدْتَ للناس أنَّ الكون دون خالِق، والدِّينُ أفْيون الشُّعوب، فالواحِد عليه أنْ يرى ما العَمَل الذي ينْبغي أن يفْعلَهُ ؟ هناك عمل فِكري هَّدام، وآخر بنَّاء، وعمل مادِّي خيري، وآخر شرِّي وعمل فيه إفساد ذات البيْن، دخل عليَّ رجل فقال لي مُتَفلْسِفًا: أنا عملي اسْمُهُ دَرْسِ ورْك ‍! العمل القَذِر !!
    لذلك هذه الآية درسٌ بليغ، قال تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

    [سورة النور]
    السَّراب ظاهرة فيزيائية معْروفة، فانْعِكاسات الشَّمس على الأرض تُشَكِّل مُسَطَّح مُضيء قال تعالى:

    ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

    [سورة النور]
    إذا الواحِد وجد قنبلة أليس من الحِكمة أن يدْعو خبيرًا ؟ أم يتعرَّف لِحالهِ ؟ فالإنسان إذا أخذ كلام الخبير أفضل من أن يُجَرِّب بنفْسِهِ، فالعالم يأخذ كلام الخبير، ويسْتفيدُ منه، وأما الجاهِل فيَخْتبِرُ الأمر بِنَفْسِهِ فيكون هو الضَّحِيَّة.





    والحمد لله رب العالمين




     



  6. رقم #202
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 05:45 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس التاسع





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة والأربعون من سورة النور وهي قوله تعالى:

    ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

    [سورة النور]
    يتولَّى عن طاعة الله ويتولَّى عن قَبول الحق، ويتولَّى عن نُصْرة النبي عليه الصلاة والسلام فهذا الإنسان كلامُهُ مُخالِفٌ لِفِعْلِهِ، لذلك الله جلَّ جلاله يقول:

    ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

    [سورة النور]
    الآن قال تعالى:

    ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

    [سورة النور]
    هذه الآية مِن أدَقِّ الآيات، وسوف نُوَضِّحُها بِمَثَل ؛ فلانٌ مِن الناس له قَضِيَّة مع شَخْص، وينحلّ عند العلماء حَصْرًا، بيتٌ مُؤَجَّر، فالقانون ليس مِن جانِبهِ، ويقول لك: أريدُ حُكمَ الشَّرْع ! إنسانٌ مُسْلِمٌ وورِعٌ وتقيّ لا يريد إلا حُكم الشَّرْع، لأنَّ له حاسَّة سادِسَة أنَّ هذه القضِيَّة لا تُحَلُّ إلا بالقضاء، ولا بالقانون، فقانون الإيجار ليس بِجانِبِه، والمُستأجِر مُوَظَّف ومَحْمي هو وأولادُهُ، ولا يوجد إلا طريق العلماء، فهذا المُؤَجِّر لمَّا يرى أنَّ القَضِيَّة لا تُحَلّ عند القانون ولا عند القاضي ؛ حينها يأتي عند العلماء لِيَسألهم في حكم الله في هذا الموضوع، وإذا يخصُم على إنسانٍ مائة ألف على إنسانٍ في الجمرك، يقول لك: سوفَ أُبَلِّغ !! لماذا لم تسْأل العلماء بالموضوع الثاني ؟!! فالإنسان له حاسَّة سادِسَة ؛ وهي أين يُحَلُّ موضوعي ؟ إذا القانون بِجانِبِهِ، يلجأ إلى القانون، وإذا الشَّرْع بِجانِبِهِ يلجأ إلى الشَّرْع ! فهذه المواقف المُزْدَوِجَة، وهذه الثنائِيَّة، تارةً حكم قضائي وتارةً حُكمًا شرْعِيًّا، ومرَّةً مُحامي، فهذا الموقف هو موقف المنافقين، وهذا الموقف ليس مِن أخلاق المؤمن، قال تعالى:

    ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

    [سورة النور]
    فهؤلاء كاذِبون، فمادام تولَّوا عن طاعة الله، وعن نُصْرة الحق، وعن الانْضِواء تحت لِواء الإسلام، قال تعالى:

    ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

    [سورة النور]
    قال تعالى:

    ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

    [سورة النور]
    فقوله إلى الله أيْ إلى قرآنِه وإذا رسوله أي سُنَّتِهِ، تجِدُ حُكم الشَّرْع واضِح ؛ للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، يقول لك: لا نُعطي البنات، فهذا المال يصِلُ إلى الأجانب، وإلى الأصْهار، قال تعالى:

    ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

    [سورة النور]

    يعرضون عن الله ورسوله، قال تعالى:

    ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)﴾

    [سورة النور]
    إن يكن لهم الحق بالدِّين يأتي إلى الله ورسوله مُذْعِنًا إن علِمَ أنَّ قضِيَّتَهُ تُحَلُّ عندهما، أما إن لم تُحلَّ مشْكِلتُهُ بالدِّين يُعرِضُ عن الله ورسوله ! هذه هي الازْدِواجِيَّة بالمقاييس، والله لو مشى الإنسان من دون ثِياب في الطريق - والإنسان بشِع بِهذه الحالة- أفضل من هذه الازْدِواجِيَّة ! وأهْونُ مِن أن يحْتَكِمُ تارَةً إلى الشَّرع وتارةً إلى القانون.
    إن كنتَ تُوقِن أنَّك مُسلمًا فما عليك إلا أن تحْتَكِمَ إلى الشَّرْع، وإن كنت عِلْمانِيًّا أو مُلْحِدًا، فهذا هو القانون، وتجِدُهُ يتفلْسَف، فالتَّحَسُّس لِلمواضِع التي تُحلُّ فيه قضِيَّتُهُ هذا موقف المنافقين، فأنت كَمُسْلِم تلجأ إلى الشَّرْع في كلّ القضايا، أما أن تكون مرَّةً للقانون وأخرى للشَّرْع فهذا التَّنقُّل هو سبيل المنافقين، فالمنافقون مُذَبْذَبين بين ذلك.
    وتكادُ تكون هذه الآية وحيدة في القرآن، ولا يوجَدُ غيرها، فهي تُبيِّنُ ازْدِواجِيَّة المقاييس، قال تعالى:

    ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

    [سورة النور]
    قال تعالى:

    ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)﴾

    [سورة النور]
    من هم المؤمنون ؟ قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

    [سورة النور]
    وقال تعالى:

    ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾

    [سورة الأحزاب]
    فالله عز وجل قضى في القرآن أنَّ للذَّكر مثل حظِّ الأنثييْن، فالذي له رأيٌ آخر بِحِرْمان البنات فهذا ليس مؤمنًا، لأنَّ الله قضى في هذا الموضوع قضاءً واضِحًا فكلّ مَن أبى الشَّرْع، والانْضِواء تحته، فليس مؤمنًا قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

    [سورة النور]
    قال تعالى:

    ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

    [سورة النور]
    فأنت عبْد لله عز وجل، وأنت لك شرْع من عند خالق السماوات والأرض شرعٌ كما قال أحد العلماء: الشريعة عدلٌ كلُّها و رحمةٌ كلُّها و مصلحةٌ كلُّها، فأيَّةُ قضيَّةٍ خرجتْ من العدل إلى الجوْرِ و من المصلحة إلى المفسدةِ و من الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ولو أُدخِلتْ عليها بألف تأويلٍ،
    عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

    (( إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْجِعْهُ ))

    [رواه البخاري]
    هذا كلام النبي، فالمؤمن كما قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

    [سورة النور]
    فعلامة المؤمن، هذا الشيء ليس لك، هذه الآية وهذا الحديث، وهذا الشيء لك هذه الآية و هذا الحديث، هذا المهر لابنتك و هذا الطلاق غير جائز، المؤمن الصادق ينضوِي تحت الشرع، قال تعالى:

    ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

    [سورة النور]
    فأنت الفوز عندك ما مقياسه ؟ مع مال طائلٌ و لك بيتٌ نزعته من صاحبه قهرًا، لستَ فائزًا، عند القانون فائز ولكنَّك عند الله خاسرٌ.
    أحد الأخوة الكرام تاجر، أخذ مَحْضرًا بمركز استراتيجي في المدينة قال لي: أصلحني اللهُ، بأسلوب ذكيٍّ المحضر على الشُّيُوع، خمسةُ أشخاص لصالحِ واحدٍ، رفعنا السعرَ حتى استقرَّ على سعرٍ يساوي نصفَ قيمته، و فيه أيتامٌ و بعد ما فاز بالمحضرِ وصار ملكًا له و شعر بنشوةٍ جاء إليَّ فقال لي: أنا متضايِقٌ، قلتُ لماذا ؟ قال: أخذتُ المحضر بهذه الطريقةِ، فقلتُ له، لا تنس القبرَ و الموتَ و الحسابَ، و أصحاب هذا المحضر أيتامٌ و قُصًّرٌ و أنت أخذتَه بأسلوبٍ غير شرعيٍّ بنصف قيمته قال: ما العمل ؟ قلت: أمامك حلَّانِ، إما أن تنسحب من هذا المحضر أو تدفع لأصحابه القيمةَ الكاملةَ، فقال: انسحبتُ، هذا هو المؤمنُ، فانظُر حكم الله، هناك ألفُ قضيَّة القانون معك فيها، لكن لابد لك من حكم الله لأنك لن تنجوَ من الله، يا أُويسُ، إن لك قرينا يُدفَن معك وهو حيٌّ، و تُدفَن معه و أنت ميِّتٌ فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك، ألا وهو عملُك و القبر صندوق العمل:

    الدنيا ساعة فاجعلها طاعةً و النفس طمَّاعةٌ عوِّدْها القناعة
    ***

    أيها الأخوة الكرام، أرجو الله جل جلاله أمام كلّ موقف هيئ جوابًا لله تعالى، وأمام كلّ عطاء، وأمام كلّ ابْتِسامة، وقبل أن تُعطي، وقبل أن تأخذ، وقبل أن ترْضى، وقبل أن تتزوَّج أو تُطَلِّق، وقبل أن تصِلَ أو تقْطع، فالآيات دقيقة جدًّا، ولا تسْتَعمِل مقياسَين، بل مِقياس الشَّرع أقْسَمَ لي واحِد أنَّهُ قدَّم لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة ولا يمْلِكون أيَّ وصْلٍ ولا علم أنَّ هذا المال معي ؛ هذا هو الشَّرْع وهذه هي الأمانة.
    هذه الآية تُبيِّنُ مرضًا خطيرًا، وهو مرض الازْدِواجِيَّة، ومرض اسْتِخدام مقاييس مُزْدَوِجَة، ومرض البحث عن المصْلحَة، ثمَّ هؤلاء الأقوياء لمَّا اسْتَخدموا مِقياسَين حقرهم الناس.





    والحمد لله رب العالمين


     



  7. رقم #203
     افتراضي  العنوان : رد: تفسير سور القران الكريم كاملا
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : 13 Mar 2018 الساعة : 05:47 PM

    طيب ذهبي


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 1,274
    بمعدل : 0.26 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 16
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل



    بسم الله الرحمن الرحيم



    ســــورة النور ( 24 )


    الدرس العاشر




    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
    أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانية والسِّتون من سورة النور وهي قوله تعالى:
    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)﴾

    [سورة النور]
    ماذا نفْهم من هذه الآية ؟ إنَّما المؤمنون ؛ فالمؤمن الحق هو الذي يفْعَلُ كذا وكذا، وإن لم يفعل كذا وكذا فليس مؤمنًا كامِلَ الإيمان، ونسْتنبط من هذه الآية أنَّ المجتمع الإسلامي مُجتَمَع مُترابِط، فاسْتِماع دون تَقديم أيّ خِدْمة لِجَماعة المؤمنين، ليس هذا هو الإيمان، قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

    [سورة النور]
    مِن لوَازِم الإيمان بالله ورسوله أنَّهم إذا كانوا معه على أمْرٍ ذو شأنٍ كَغَزْوةٍ أو معركة، سوف يقْتَحِم، ويُعَدُّ لها، قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

    [سورة النور]
    خُروج الإنسان يحْتاج إلى تنسيق مع رسول الله، ولعلَّ هذا الإنسان لهُ مُهِمَّة خطيرة جدًّا، والنبي عليه الصلاة والسلام سَيُكَلِّفُهُ بِها، فإذا خرَجَ مِن دون أن يستأذِن فقد أفْسَد خِطَطَ النَّبي، هناك معنى، وهناك ما خلْفَ المعنى، أو ما بين السُّطور، أو الروح العامَّة للآية تُشير إلى أنَّ المُجْتمَعَ الإسلامي مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن، وكلّ واحِد يُقَدِّم للمَجْموع مِن اخْتِصاصهِ وقُدُراتِهِ ما يتناسَب مع حاجة المجموع، فليس المقْصود الاسْتِئذان، ولكنَّ المقصود أنَّ المجتَمَع مُتعاوِن، فكلٌّ منهم يُعين أخاه والمجتَمَع الإسلامي إذا كان مُتَرابِطًا، ومُتَعاوِنًا، ومُتبادِل، فالله جلَّ جلاله يقول في الحديث القُدسي:
    عن معاذ بن جبل قال:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

    (( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

    [رواه أحمد]
    فلو أنَّ إنسانًا مثلاً يُتْقِنُ الكهرباء ووجَدَ أنَّ الجامِع يحْتاج إلى إصْلاح، فعرَضَ خدماتِهِ، أما الذي لا علاقة له بالمسلمين، ولا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فهذا اسْمُهُ تعليم، أما التربيَة ففيها التَّعاوُن، وتعارُف.
    هذه الآية خاصَّة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأصْحابِهِ، ولكن ماذا نسْتفيد منها نحن كَمُجْتَمَعٍ مسْلِمٍ ؟ نسْتفيد في التَّعاوُن، فأنت إذا كنت في مجْتَمع المسلمين لا بدَّ أن تهْتَمَّ بِأحوال الناس وبِمُشْكِلاتِهم وحاجاتِهم، فهذا التَّعاوُن، فالواحِد من المجموع، والمجموع من الواحِد، قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

    [سورة المؤمنون]
    هذه الأداة أداة قصْر، فما بعدها مَقصورٌ عليها قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

    [سورة النور]
    عدمُ الانْتِماء، والتَّحَرُّر مِن كلّ قَيد، وعدم بَذْل أيِّ شيء، ليس هذا هو الإيمان، فالإيمان عطَاء، وبِمُجَرَّد أن يسْتقرَّ الإيمان في النَّفْس يُعَبِّرُ عن ذاتِهِ بِحَرَكَةٍ نحو خِدْمة الآخرين، فالذي يسْتَمِع بإصْغاء، وليس فيه فائِدَة، ومن دون أن يُقَدِّم أو يُؤخِّر فالإنسان إذا كان طبيبًا أو صاحِب مخْبر، لا بدّ أن يُقَدِّم المُساعدة لِهؤلاء الفقراء، تشْعُر بِسَعادة كبيرة وهذا دهَّن المسْجِد، وذاك راعى إخوانَهُ وذاك جرَّاح يُقيم عملِيَّات جِراحِيَّة، أنا الآن أضرب الأمثلة، فالله تعالى قال:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

    [سورة النور]
    وأكثر ما نحْتاج إليه نحن اليوم تَزْويج الشَّباب، فتاجِر العمار إذا كان عندهُ بيوت لم تُفْتَح بعدُ ؛ لك أن تُخَصِّص بيتًا للفقراء للأجرة، فالعِبرة أن تعْمل شيئًا لله بِحَياتِك، طبّ أو هنْدسة أو مُحاماة أو مُدَرِّس أو تاجِر أو صانع، أنا ضربتُ هذه الأمثلة كي تعلمَ أنَّك مع المؤمنين وأنَّك واحِدٌ منهم، وكلُّنا لك، وأنت لنا، فالأصل إعانة المؤمنين، والعوام لهم لطيفة فيقولون المركب إذا لم يكن فيه شيء لله يغْرق ‍! فالله تعالى قال:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

    [سورة النور]
    فالنبي عليه الصلاة والسلام انْتقل إلى الرفيق الأعلى وأصحابه الآن في البرزخ وفي روضات الجنَّات إن شاء الله تعالى.
    أعرف امرأة أُصيبَتْ بِمَرضٍ عُضال ثمَّ شفاها الله سبحانه وتعالى وهي في مرضِها نذَرت أن تخْدم المسلمين، ماذا فعلتْ ؟ لم تكن تملكُ شيئًا فأصْبَحَتْ تطْبُخ للفقراء، والمبْلغ الذي تأخذُهُ تُقَدِّمه لإجْراء عمليَّات جِراحِيَّة، فهذه المرأة لا تمْلُك إلا أن تطْبخ، فالإنسان إذا نوى أن يُقيمَ العمَل الصالِح هناك ألف عمل صالِح، وأجْدادُنا تفنَّنوا في العمل الصالِح. أيها الأخوة، الإنسان الخالي من العمل الصالِح لا يمْلكُ شيئًا، فإن قلتَ الشمس ساطِعة ! فأنت إن قلتَ ساطِعَةً أم لا، فأنت لم تُقَدِّم ولم تُؤخِّر ! أما بالعمل الصالة ترقى وتَجِدُهُ في القبر، والقبر صُندوق العمل.
    مِحْور الآية اليوم، إذا كلّ أخ منَحَ من اخْتِصاصِهِ لله تعالى، ومنحه للمؤمنين الفقراء، يكون قد ساهَمَ في تحقيق هذه الآية، و حينها يفْرح المسلمون، وحينها يحْفظنا الله.
    آيتنا اليوم لها منْطوق ومَفهوم، فَمَنطوقها مَفهوم، وهو أنَّ الله تعالى وجَّه الصحابة أن لا يُغادِروا مُجْتَمَعهم إلا بإذْن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أما مَفهوم الآية هو التَّعاوُن والتعارف والتبادل، ووجَبَتْ محبَّة الله للمُتحابِّين فيه، وقد حضرتُ عِدَّة عُقود قِران، فما قُدِّمَت الهدايا، وإنَّما جُعِلَت للفقراء، وإنشاء المعاهِد الشَّرْعِيَّة، ونحن نتمنَّى أن تُلْغى الهدايا وتُقَدَّم لِفُقراء المسلمين، وبالمقابِل تجد أعراس ثَمَن الزُّهور فقط يُكَلِّف ما يتزوَّج به عشرون شابًّا ! وكلَّما بخل الأغنياء، وقل التَّدَيُّن كثر النَّهب والاغْتِصاب، لذلك الأغنياء أوْصِيائي، والفقراء عِيالي، فَمَن منَعَ مالي لِعِيالي أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وقِوامُ الدِّين والدنيا أربعة رِجال: عالِمٌ مُستعملٌ علْمهُ، وجاهِل لا يستنكِف أن يتعلَّم، وغَنِيّ لا يبْخل بِمالِهِ وفقير لا يبيعُ آخرته بِدُنياه، فإذا ضيَّع العالم عِلْمَهُ اسْتَنْكَف الجاهِلُ أن يتعلَّم، وإذا بَخِل الغنيُّ بِمالهِ باع الفقير آخرتَهُ بِدُنيا غيْره، فآيتنا فيها مفهوم ومنْطوق، قال تعالى:

    ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

    [سورة النور]
    والله أيها الأخوة، زارني أخٌ دكتور معه ثلاثة بورْدات، فقال لي: أيُّ عَمَلِيَّة اسْتِئصال لا بدَّ من طبيبَيْن أو ثلاثة، فزارني أخ مهندِس وقال لي: بنتي معها اسْتِئصال كِلْية والطبيب يقول اليوم تُجْرى العَمَلِيَّة ! فقلتُ له: سأُرْشِدُكَ عند طبيب مُختصّ ولا تأخذها عند الطبيب المُقَرَّر، فلما ذَهَب عند الطبيب المختصّ الذي أرْشَدْتُهُ إليه قال له: ابْنَتُكَ لا تحتاج إلى عَمَلِيَّة بل كِليَتُها سَتعْمَل بعد شَهْر ! وبعد بِثمانِيَة عشر يومًا قال لي هذا المهندس: اشْتَغَلَتْ كِليَةُ ابْنتي! فلذلك هذا الطبيب ما فعَلَ إلا أنَّهُ قدَّم نصيحةً، والْتَغَتْ العَمَلِيَّة الجِراحِيَّة، وربِحَت البنت كِلْيَتَها، وفي أحد المرَّات قال لي أخ: إذا اشْتَرَيْتَ برَّادًا فلا تُنَيِّمْهُ إذا أخَذْتَهُ إلى البيت بل اجْعَلْهُ واقفًا، لأنَّ إذا أوْصلتَهُ بالكهرباء في البيت يحْترق المُحَرِّك ! فوجَدتُ أحد الأخوة وقد اشترى برَّادًا فقلتُ له لا تجْعلهُ مائلاً لأنَّ المُحرِّك يحْترق، وإذا أخذْتَهُ للبيت دَعْهُ يرتاح ثماني ساعات، فالحياة للتَّعاوُن، وتقديم نصائِح لِوَجه الله تعالى.






    والحمد لله رب العالمين




     



صفحة 29 من 36 الأولىالأولى ... 192728293031 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تفسير القران الكريم فقط ضع الماوس علي الايه وستجد التفسير
    بواسطة سمرون في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 25 Jun 2009, 10:58 PM
  2. القران الكريم كاملا في الجوال .........
    بواسطة عسوله في المنتدى عالم الجوالات
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 25 Aug 2007, 11:53 AM
  3. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07 Nov 2006, 09:22 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •