صفحة 10 من 10 الأولىالأولى ... 8910
النتائج 64 إلى 69 من 69
  1. رقم #64
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : يوم أمس الساعة : 04:13 PM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم


    (61)



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



    من أسماء الله الحسنى: ( الشكور):

    أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشكور".



    ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور و الحليم:


    الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية باسم "الشكور" قال تعالى:

    ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

    ( سورة فاطر )
    يعني غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى:
    ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

    ( سورة فاطر )
    وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى:
    ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة التغابن )

    ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

    ﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
    إن وقعت في الذنب فهو غفور، وإن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم
    ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

    ﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾



    علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر:

    هناك آية أخرى:

    ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

    ( سورة إبراهيم )
    يجب أن تكون أيها المؤمن صباراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، يبغي أن تكون صباراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن
    ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
    والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، وقال عليه الصلاة والسلام:

    (( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ))

    [أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
    أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور.

    (( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، واخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ـ شكور ـ ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

    [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
    صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له:

    (( يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

    [رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]



    الإنسان مخير لا مسير:

    أيها الأخوة:
    ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾

    ( سورة الإسراء الآية: 18 )
    الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا.
    ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

    ( سورة الإسراء )
    الآن دقق:
    ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

    ( سورة الإسراء )
    أنت مخير، اطلب ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق.


    الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق:


    ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾
    وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه:
    ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

    ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
    وأصر عليها، وألح عليها
    ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
    بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مصراً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول:
    ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

    ( سورة النساء الآية: 123 )



    أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة:


    هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل :

    (( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ـ الله شكور ـ ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))

    [ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
    لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، وأن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيف ما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً، وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم، إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله إلى من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله من فضله.
    الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق ، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، والله عز وجل ينتظرنا، وسمّ كل عمل صالح قرضاً له.
    ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 245 )
    لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وإن وضعت اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة.


    من شكر الله عز وجل ربح الدنيا و الآخرة:

    الله شكور، يعني أقل مؤمن إذا قُدم إليه عمله طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، يعني ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تحسن إلى عباده ، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منهم الشكر ؟ هو شكور.
    لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً، ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك ربحنا 38%، غير معقول، الأرباح 12 ـ 13 ـ 9 ـ 8 ـ 7 ـ 5 أحياناً، يعني إذا قلنا 28 ربح غير معقول ! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار.




    معاني اسم الشكور في اللغة العربية:

    أيها الأخوة، "الشكور" في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً ، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه.
    أيها الأخوة الكرام، المؤمن شكور، أي شيء قُدم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافأة، من صفات المؤمن تعظم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكر، لابدّ من أن تعبر عن شكرك له، بأي طريقة، أما شكر العبد على الحقيقة: هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.




    الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه:

    من هو الشاكر ؟ الذي يقر بنعم الله بقلبه، يعني الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك لك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد.
    فالمؤمن من علامة إيمانه دائماً يذكر فضل الله عليه، وغير المؤمن يقول:


    ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

    ( سورة القصص الآية: 78 )
    أما درست، نعم، خير إن شاء الله ! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت حصلت هذا بكدي وعرق جبيني، ممكن هذا كلام بعد عن الله عز وجل ، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن ؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المنعم، من هو غير المؤمن ؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت ، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانه العالية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه.


    نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد و لا تحصى:


    لكن:

    ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

    ( سورة إبراهيم الآية: 7 )
    بعد ذلك:

    ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾

    ( سورة إبراهيم الآية: 34 )
    الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك عدها، لو كم أعدها، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة:

    ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

    ( سورة إبراهيم الآية: 34 )
    لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه أولاد، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية من جاء بها، حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا، أم أن تردها ؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه من مَنْ ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى
    ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
    العد فقط
    ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾



    تمام الصحة و العافية من نعم الله الكبرى على الإنسان:

    لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب، فقد بصره، يُصيف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام ما في بصر، أي مكان بارد، ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه في سويسرا قاعد، هذه لأنه حُجبت عنه المناظر.
    ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
    فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل ؟ لك الشكر لأن الكليتان تعملان بانتظام ؟
    لي قريب أصيب بفشل كلوي، كان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها ؟ إنسان أخرج ما في جوفه.
    كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول:

    (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))

    [أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
    وكان يقول:

    (( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ بالطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))

    [الجامع الصغير عن ابن عمر]
    علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذه سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات.

    (( أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))

    [الجامع الصغير عن ابن عمر]



    الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن:

    رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، يعني الله عز وجل وهبه أولاداً ما فيهم عاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد.
    مرة قال لي شخص: إذا ينجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: بالله اشرحها لي، قال لي: لي بنت، أنجبت مولوداً الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة.
    يعني إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أعان الله الذي عنده شك بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار، من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لابأس، عندك مأوى.
    الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له.
    إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية، دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور.
    إذاً شكر العبد عن الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.




    مستويات الشكر:

    1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله:


    هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاث مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون:
    ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

    ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

    ( سورة القصص الآية: 81 )

    ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

    ( سورة الزخرف الآية: 51 )
    أهلكه الله.
    ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

    ( سورة النمل الآية: 33 )
    قوم بلقيس، أهلكهم الله.
    ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

    ( سورة الأعراف الآية: 12 )
    الشيطان، أهلكه الله، إذاً معرفة.


    2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله:


    الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، والمستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله.



    3 ـ أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده:


    المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تحسن إليهم، أن تخلص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى:

    ﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

    ( سورة سبأ )

    ﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾
    الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، يعني إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا.

    (( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ))

    [ النسائي و أحمد عن عبد الله بن عمر]
    كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية.

    (( تهادوا تحابوا ))

    [ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]
    صيغة مشاركة، أي قدم لك هدية قدم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل.


    من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى والرشاد:



    عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد:

    ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

    ( سورة الإنسان )
    أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده، طبع، وكان قبل سنة ولادتي أقول سبحان الله ! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ما له وجود الإنسان
    ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
    مَنْ فلان قبل مئة عام ؟ ما في فلان، فالله عز وجل تفضل علينا بنعمة الإيجاد.
    لكن في عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء والهواء موجود، تحتاج إلى ماء والماء موجود، تحتاج إلى طعام والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد.
    ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، يعني هداك بأساليب لا تعد ولا تحصى، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.


    معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان:


    لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة:

    ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

    ( سورة النساء )
    لو قال لك طفل معي مبلغ عظيم، كم تقدره ؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، تلقى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك:
    ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
    يعني أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.

    (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

    [من مختصر تفسير ابن كثير]








    والحمد لله رب العالمين




     



  2. رقم #65
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : يوم أمس الساعة : 04:15 PM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل






    بسم الله الرحمن الرحيم


    (62)



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى:(الحليم):


    أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحليم".



    ورود اسم الحليم في القرآن الكريم مقترناً بأسماء أخرى و وروده في السنة الشريفة:


    هذا الاسم ورد في آيات كثيرة مقترناً باسم الغفور كما في قوله تعالى:

    ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة المائدة )
    وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الغني، في قوله تعالى:
    ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة البقرة )
    واقترن أيضاً باسم الشكور في قوله تعالى:
    ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة التغابن )
    واقترن أيضاً باسم العليم، كما في قوله تعالى:

    ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾

    ( سورة الأحزاب )
    هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة الصحيحة ؟ ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال، كان يدعو عند الكرب، وما أكثر الأحوال التي يعاني منها المسلمون من الكرب قال:

    (( كان يقولُ عند الكربِ: لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ، لا إله إلا الله رَبُّ الْعَرشِ الكريم ))

    [ البخاري عن ابن عباس]
    هذا ما ورد في الكتاب والسنة.


    المعنى اللغوي لكلمة الحليم:

    أما المعنى اللغوي لكلمة "الحليم"، "الحليم" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالحلم، الذي يتصف بالحلم يسمى حليماً، والفعل حلم، يحلم، حلماً، يحلمُ معنى آخر، حُلماً معنى آخر، حلم، يحلم، حلماً.
    صفة الحلم تعني الأناة، فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله، الأناةُ الهدوء، وحسن الخلق، الحلم يعني الأناة، ومعالجة الأمور بصبر، وعلم، وحكمة، أن تعالج مشكلة بصبر، بهدوء، بعلم، بحكمة فأنت حليم.
    ويقابل الحلم العجلة المفسدة لأمور الدين والدنيا، ولا يفوتني أن أقول لكم إن معالجة المسلمين في هذا العصر لبعض المشكلات التي تحيط بهم تعالج معالجة متعجلة، هذه المعالجة المتعجلة تسبب لنا متاعب لا تنتهي، الطرف الآخر أعداؤنا يفكرون بعقولهم ويخططون بهدوء، ونحن نثور، ونضطرب، وفي النهاية لا نحقق شيئاً، بل يزداد ما بيننا وبين الطرف الآخر من اتساع ومن تباعد، فالعجلة مفسدة في أمور الدين والدنيا.




    الحليم هو الذي يرغب بالعفو ولا يسارع بالعقوبة:

    "الحليم" هو الذي يرغب بالعفو، ولا يسارع بالعقوبة، قال تعالى في وصف سيدنا إبراهيم:
    ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة التوبة )
    أثنى الله عليه، يدخل في معنى الحلم بلوغ الصبي الحُلم، أي يبلغ الصبي مبلغ الرجال، الحكماء، العقلاء، قال تعالى:
    ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾

    ( سورة النور الآية: 59 )
    صار عاقلاً، راشداً، أما قوله تعالى:
    ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾

    ( سورة الصافات )
    أي لديه أناة، وبصيرة، وحكمة من صغره، هذا ما في اللغة من معانٍ دقيقة حول كلمة "الحليم".


    الله عز وجل حليم يمهل عباده ليزدادوا في الطاعة والثواب:

    أما الله جل جلاله إذا وصف بالحلم فهو حليم، يعني الصبور على عباده المتصف بالحلم، يتمهل، ولا يتعجل، وهو العاطي لا يسأل، وهو "الحليم" لا يعجل، بل يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، فهو سبحانه وتعالى يمهل عباده الطائعين ليزدادوا في الطاعة والثواب، ويمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا من العقاب أحد، ولكن الله جلّ جلاله هو "الحليم" ذو الصفح والأناة، استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم الموعود وأجل محدود، فأجّل بحلمه عقاب الكافرين، وعجّل بفضله ثواب المؤمنين.
    الخلاصة: أن "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة، والانتقام، ولا يحبس عن عباده بذنوبهم الفضل والإنعام، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وإن كان بينهما تفاضل على مقتضى الحكمة.
    يعني ورد في بعض الآثار القدسية:

    (( أن يا عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))
    الكفار يأكلون أطيب الطعام، ويشربون، ويتمتعون، ويسكنون البيوت الفخمة يركبون المركبات الفارهة، يتزوجون أجمل النساء، ويتبجحون، ويتطاولون، ويتكبرون ، والله يرزقهم.


    الخاسر من أتته الدنيا من أوسع أبوابها و غفل عنها و عن الآخرة:


    أيها الأخوة:

    (( عبدي لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

    [ورد في الأثر]
    أيها الأخوة، هذا الأثر القدسي يبين أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب إنساناً بأن تأتيه الدنيا من أوسع أبوابها، وهو غافل عنه، ويأتي الموت فجأة كصاعقة ينهد لها.
    ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

    ( سورة الفجر )

    ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

    ( سورة الكهف )



    من غضب غابت عنه الحقائق وارتكب الحماقات:

    أيها الأخوة، كلكم يعلم أن من أسماء الله الحسنى ما لا يجوز أن يسمى الإنسان بهذا الاسم، كاسم الخالق، هل من خالق غير الله ؟ لكن اسم العليم، اسم الحكيم اسم "الحليم" يجوز أن يوصف إنسان بأنه حليم.
    بالمناسبة: الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً، ولأن "الحليم" حليم قراره صحيح، هادئ، والإنسان حينما يغضب لا يرى الحقائق، يرتكب حماقات لا يرتكبها الصغار، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة:

    (( لا تَغْضَبْ ))

    [ أخرجه البخاري والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
    الإنسان إذا غضب غابت عنه الحقائق، وارتكب حماقات يندم عليها أشد الندم فكاد "الحليم" أن يكون نبياً.
    يروي التاريخ أن سيدنا معاوية جاءته رسالة من إنسان، أما الرسالة قاسية جداً فيها تجهم، أما بعد: فيا معاوية، باسمه، من دون لقب الخلافة، أما بعد: فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي و لك شأن، والسلام.
    هذه الرسالة تُخرج الإنسان من جلده، إلى جانبه ابنه يزيد، أطلعه عليها، قال له: ماذا نفعل ؟ فقال له يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه، فغلى، فقال له والده: لا يا بني غير هذا أفضل، جاء بالكاتب، قال له: اكتب، أما بعد: فقد وقفت على كتاب ولدي حواري رسول الله، سيدنا ابن الزبير، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، بعد حين جاء الجواب أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاؤك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، استدعى ابنه يزيد، قال له: اقرأ، يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.


    الحلم سيد الأخلاق:

    كاد "الحليم" أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، الأب يحتاج إلى أن يكون حليماً هدئ نفسك، الأمر عالجه بأناة، وصبر، وعلم، وحكمة، لا تتعجل، لا تأخذ الأمر بعصبية كبيرة، خذه بحلم وهدوء، ويحتاج الإنسان إلى هذه الصفة، ولاسيما في الأيام العصيبة، في أيام الكوارث، في أيام القهر، في أيام الظلم، في أيام الفقر أحياناً.

    ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾

    ( سورة فاطر )
    يعني الله عز وجل يرزق عباده، ويكفرون، ويتطاولون، ويتبجحون ، ويستكبرون، ويظلمون وهو حليم عليهم.


    الله سبحانه و تعالى حليم يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره:

    الآن من المعاني التفصيلية من اسم "الحليم" أن الله سبحانه وتعالى يؤخر العقوبة ، السؤال: لماذا يؤخرها ؟ لو أنه ألغى العقوبة هذا ما يعنيه اسم العفو، والغفور، إلغاء العقوبة عفو غفور، أما تأخير العقوبة حليم، هناك فرق، التأخير حلم، إلغاء العقوبة مغفرة وعفو.
    أيها الأخوة، لو أن الله سبحانه وتعالى عجل العقاب لكل مذنب هذا ليس حلماً عندئذٍ لا يكون حليماً، لأنه حليم يؤخر، ولو أن الله أجّل العقاب، ويريد بهذا التأجيل أن يوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، هذا ليس حلماً، هذا حقد، الحاقد يضبط أعصابه، ويخطط لإنزال أشد العقاب بهذا الإنسان، نقول هذا إنسان حاقد، أما الله عز وجل يؤخر العقاب لا ليوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، ولكن ليعطي هذا الإنسان فرصة لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يستغفر، لعله يندم، التأخير لا يعد حقداً، يعد إمهالاً، إعطاء فرصة لهذا الإنسان لعله يرجع إلى الله.
    أحياناً الإنسان يحقد لأنه ضعيف، يكتم الألم، وأحياناً يحقد لأنه قوي، الضعيف يحقد، والقوي يحقد، ولكن الحقد شيء، والحلم شيء آخر، يعني يؤخر العقاب لعله يرجع، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله، لعله

    ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
    أيها الأخوة، يتوضح الأمر من خلال هذا المثل:
    أسسنا مدرسة نموذجية فيها أقوى المدرسين، فيها أفضل المناهج، أحسن الكتب، فيها مرافق راقية جداً، مكتبات، قاعات تدريس، مخابر، فيها كل شيء، لو أن المدير هدفه تنفيذ القانون بشكل حرفي كل طالب غاب أسبوعين يفصل نهائياً، المدير الحكيم ، الرحيم، الحليم أحياناً يتغافل عن غياب طالب، أحياناً يؤخر العقاب، أحياناً يستدعي والده ائتِ بتقرير طبي لئلا يفصل ابنك من المدرسة، أحياناً لا يطلب الدوام، هذه كلها محاولات لإعطاء الطلاب المتغيبين فرصة أن يعودوا عن تقصيرهم، ليس الهدف إيقاع العقاب بالطلاب، الهدف نشر الخير، والعلم، والمبادئ، والقيم، وتخريج قادة لهذه الأمة، فالمدير الحكيم الحليم لا يتخذ الأخطاء التي يرتكبها الطلاب مبرراً لفصلهم، وإنهائهم.
    هذا معنى "الحليم" يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره.


    الله عز وجل خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض:

    الآن أيها الأخوة، هناك آية دقيقة جداً:

    ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

    ( سورة طه )
    يعني ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، الآية دقيقة جداً يعني لولا أن الله خلق عباده ليرحمهم، لولا أن الله خلق عباده ليسعدهم، لولا أن الله خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض، لولا أن الله خلق عباده ليتوبوا إليه، فيقبل توبتهم لولا أن الله خلق عباده ليستغفروه فيغفر لهم، لولا أن الله خلق عباده ليسألوه فيعطيهم، لولا أن الله خلق عباده ليرجعوا عن ذنوبهم فيقبلهم، لعجل عليهم العقاب
    ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾
    يعني:

    ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

    ( سورة هود الآية: 119 )
    خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض ، خلقهم ليوفقهم، الإنسان الجاهل، يقول لك: سبحان الله ! الله خلقنا للعذاب، أيضاً يسبح الله هذا كلام غير صحيح، خلقنا للنعيم، خلقنا للسعادة، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.
    كطالب أحمق ضربه الأستاذ مرة فقال: إنما أُنشئت هذه المدرسة كي نضرب لا، أُنشئت كي تكون عالماً، كي تكون مربى، مهذباً، لكن في أحوال قاهرة.
    أوضح مثل: المركبة، السيارة، ما علة صنعها ؟ علة صنعها أن تمشي، أن تسير، اسمها سيارة، ولماذا وضع فيها المكبح ؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت كي تسير، وفيها مكبح، كما أن علة صنع السيارة تسير، والمكبح يتناقض مع علة صنعها.


    السعادة و الرحمة علة خلق الإنسان:

    كذلك علة خلق الإنسان أن يسعده، وأن يرحمه، وأن يهبه جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن تقتضي الحكمة أحياناً أن يوقفه عند حدّه، أن يعاقبه، أن يردعه ، أن يربيه، فالذي يقول: خلقنا للعذاب إنسان جاهل.
    أوضح مثل: لما الطفل يجلس على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل، يبكي ، يصرخ، يمسك يد الطبيب، يتحرك حركة غير صحيحة، أما الكبير يتألم أشد الألم، لكن ساكت لأنه يعلم أن هذا الألم لصالحه.
    لذلك

    ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
    عقابهم
    ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
    إنزال العقاب بهم، لكن هذه الكلمة هي الرحمة، هي الإحسان، هذه الكلمة اقتضت أن يؤخر الله عقابهم لعلهم يرجعون، لعلهم يندمون، لعلهم يراجعون أنفسهم.


    الله سبحانه و تعالى حليم لا يوقع العقاب بالعاصي فوراً بل يؤخره لحكمة منه:

    أيها الأخوة، اسم "الحليم" إذاً أن الله سبحانه وتعالى لا يوقع العقاب فوراً، بل ما من مسلم إلا وهو يعلم لماذا كان صلح الحديبية، هذا كان بحسب الظاهر صلح مهين للصحابة، والصحابة الكرام تألموا أشد الألم، بل قال أحدهم وهو عمر: يا رسول الله، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ ألسنا أقوياء ؟ ألسنا على حق ؟ جاء الرد الإلهي:

    ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

    ( سورة الفتح )

    ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾
    في قريش أخفوا إيمانهم وهم معكم في قلوبهم لن يستطيعوا إعلان إسلامهم
    ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
    ألزم نبيه بقبول شروط مهينة، والنبي علم حكمة الله عز وجل، فنفذ أمره، لكن الصحابة، أو بعض الصحابة غابت عنهم هذه الحكمة فضجروا، وتألموا أشد الألم، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ صلح الحديبية أكبر مثل من حلم الله عز وجل، هؤلاء الذين آمنوا في قريش، وهم في قلوبهم مع المؤمنين، ولم يستطيعوا إعلان إسلامهم، أخر عمرة النبي مع أصحابه من أجل سلامة هؤلاء الذين آمنوا، وأخفوا إيمانهم عن قريش.
    أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:

    (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ـ حليم الله عز وجل ـ وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي ، أهل شكري، أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ـ الله حليم ـ فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

    [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]








    والحمد لله رب العالمين



     



  3. رقم #66
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : اليوم الساعة : 11:07 AM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم



    (63)




    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



    من أسماء الله الحسنى:(التواب):


    أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "التواب".



    ورود اسم التواب في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


    ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ستة مواضع معرفاً بأل، كما في قوله تعالى:

    ﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

    ( سورة البقرة )
    وقد ورد أيضاً في ستة مواضع، منوناً، كما في قوله تعالى:
    ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾

    ( سورة النور )
    أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
    ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

    ( سورة النساء )
    وقد قال العلماء: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.
    أما في السنة النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

    (( رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم ))

    [ الترمذي و ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]



    التواب في اللغة:

    أيها الأخوة، "التواب" في اللغة من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى، فتعني الكم والنوع، يعني يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً، تواب، تائب، وتواب، صيغة مبالغة، على وزن فعال، يغفر كل الذنوب مهما كثرت، ويغفر كل الذنوب مهما عظمت، الفعل تاب، يتوب، توباً، وتوبةً، تاب فعل ماض، يتوب فعل مضارع، توباً مصدر، وتوبة.



    التعريف اللغوي للتوبة:

    1 ـ الرجوع عن الشيء إلى غيره:


    أما تعريف التوبة اللغوي فهو: الرجوع عن الشيء إلى غيره، رجع عن هذا العمل إلى عمل آخر، هذا معنى التوبة اللغوي، بل هو ترك الذنب على أجمل وجه، وهو أبلغ وجه من وجوه الاعتذار، أعلى مستوى من الاعتذار أن تتوب، الاعتذار على أوجه ثلاثة، لا رابعة لها، عملت عملاً، إما أن تقول لم أفعل هذا، هذا اعتذار، الرواية التي بلغتك ليست صحيحة، لم أفعل هذا، من هنا قال الله عز وجل :

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

    ( سورة الحجرات )
    تحقق، الله عز وجل يصف لنا التحقيق، قال سيدنا سليمان:
    ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

    ( سورة النمل )
    تحقق، فأول وجه من وجوه الاعتذار أن تقول: لم أفعل هذا، أو أن تقول: فعلته، ولكن كان قصدي شريفاً، لم أقصد المعنى الذي توهمته، هذا وجه آخر والوجه الثالث تقول فعلت، وأسأت، وقد أقلعت عن هذا الذنب، هذا هو الاعتذار الأسلم ، هذه هي التوبة، أن تقول: فعلت، وأسأت، ولن أعود إلى هذا العمل.


    2 ـ المذنب الذي يسأل ربه التوبة:


    أيها الأخوة، في اللغة: التائب هو المذنب الذي يسأل ربه التوبة، والتائب هو الله الذي يقبل التوبة، نقول هذا الإنسان المذنب تائب، وهذا الإله العظيم تائب، قَبِل التوبة.



    3 ـ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته:


    والتوبة أيها الأخوة، مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته.

    ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾

    ( سورة البقرة الآية: 81 )
    مخرج النجاة الوحيد هو التوبة، والتوبة هي صمام الأمان، حينما تضغط عليه سيئاته.
    بعض الأوعية البخارية لها صمام أمان، فإذا ارتفع الضغط كثيراً بدل أن تنفجر هذا الصمام يسيح، والبخار يخرج.


    4 ـ صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته:


    فالتوبة: هي صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته.



    5 ـ تصحيح المسار:


    والتوبة: هي تصحيح المسار، حينما تضله أهواؤه.



    6 ـ حبل الله المتين:


    والتوبة: هي حبل الله المتين، حينما تغرقه زلاته، مخرج النجاة للإنسان، حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وحبل الله المتين حينما تغرقه زلاته.



    7 ـ الصراط المستقيم حينما تنحرف بالإنسان شهواته:


    والتوبة: هي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
    أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:

    (( وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً، تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني، أي طلب إقالتي، أقلته، وإن تاب إليّ قبلته، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أقنطهم ومن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

    ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾



    الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها:




    أيها الأخوة، الله عز وجل هو "التواب" يقبل التوبة عن عباده، حالاً بعد حال ، يوماً بعد يوم، وحيناً بعد حين، فما من عبد عصاه، وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته، ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها ، باب التوبة يغلق والإنسان على فراش الموت، تغرغر روحه، أو تطلع الشمس من مغربها.

    (( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))

    [ مسلم عن أبي موسى]
    و:

    (( إنَّ اللّهَ يقبلُ توبة العبدِ ما لم يُغَرغِرْ ))

    [ الترمذي عن ابن عمر]



    باب التوبة مفتوح على مصراعيه قبل أن يموت الإنسان إلا في إحدى حالتين:

    1 ـ عند الموت:


    أيها الأخوة، لابدّ من شرح، باب التوبة مفتوح على مصراعيه، إلا في إحدى حالتين، إذا حضر أحدكم الموت، عندما يحضر الموت تلغى التوبة، الآية واضحة:
    ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾

    ( سورة النساء الآية: 18 )
    في هذه الحالة يغلق باب التوبة.


    2 ـ إذا طلعت الشمس من مغربها:


    أما يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة.



    أخطر ما يصيب المسلمين عدم فهم دينهم و عدم الاهتمام بقيمهم وإسلامهم:

    لكن هذا المعنى قد يفهم بشكل موسع وقد يفهم بشكل ضيق، يعني الله أعلم كيف تطلع الشمس من مغربها، لكن بالمعنى الموسع حينما نرى أن العلم كله في الغرب، وأن الحضارة كلها في الغرب، وأن الأخلاق كلها في الغرب، وكل شيء يفعله الغرب هو الكمال، ولو تفلتوا من منهج الله، ولو فعلوا الأفاعيل، ولو تحللوا من كل قيد أخلاقي، ما دام هذا العمل جاءنا من الغرب.
    (( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ))

    [أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
    حينما لا نأبه لديننا، ولا نهتم بقيمنا، ولا نُعظم إسلامنا، ولا نقدس وحي ربنا، وحينما نزدري أنفسنا، ونرى الغرب القوي، الغني، الذكي، هو الحضارة، هو التقدم، هو الأخلاق، هو القيم، هذا مما يفهم من طلوع الشمس من مغربها، لماذا يتوب ؟ دينه كله ليس قانعاً به، أمته كلها ليس قانعاً بها، حضارته كلها ليس مؤمناً بها، انسلخ من انتمائه، انسلخ من إسلامه، انسلخ من أمته، انسلخ من حضارته، فهذا الإنسان لا يتوب لأنه تبدلت مبادئه وقيمه، وهذا من أخطر ما يصيب المسلمين، الاستغراب، الاستغراب أن تكون غربياً شكلاً، وقالباً، ومضموناً، ومحتوىً، أن تفكر بطريقة الغربيين، أن تُقيّم العمل بطريقة الغربيين.

    (( من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ))



    التشبه بالغرب يسلخ المسلم من قيمه و من تاريخه العظيم:

    لا يقبل للمرأة إلا أن تكون متفلتة، أن تبرز كل مفاتنها، تعرية المرأة حضارة، تناول الخمور تقدم ورقي، حينما نكون بهذه الحال يغلق باب التوبة، حينما لا نرى أمتنا العظيمة التي فتحت أطراف الدنيا، التي نشرت العدل، الرحمة، حينما لا نأبه لقرآننا، وحي السماء، حينما لا نعتد بسنة نبينا سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الوضع الاستغرابي هو مما يبدد المسلمين، أن ينسلخ المسلم من أمته، من مبادئه، من قيمه، من تاريخه العظيم، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب المسلمين الذين امتلأ قلبهم رحمة.
    على كلٍ هذا اجتهاد شخصي، فإن أصاب المجتهد له أجران، وإن أخطأ له أجر، طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة، والله أعلم كيف ؟ ومتى ؟ ولكن يمكن أن نفهم هذا النص فهماً موسعاً، حينما نزدري أمتنا، ومبادئنا، وقيمنا، لماذا نتوب ؟ حينما نقلد الغرب بكل شيء، حتى لو تعروا، حتى لو أكلوا الحرام، حتى لو شربوا الخمور، حتى لو فعلوا المبيقات، هذا شيء من الغرب، شيء عظيم، هذه الحالة تقتضي كما ورد في الحديث الصحيح تغلق باب التوبة.




    من تاب توبة نصوحة بدل الله سيئاته حسنات:


    أيها الأخوة، قال تعالى:

    ﴿ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾

    ( سورة الفرقان الآية: 70 )
    كيف ؟ أيضاً هذا فهم لهذه الآية اجتهادي، كان بخيلاً، بعد أن تاب إلى الله أصبح كريماً، كان غضوباً أصبح حليماً، كان شهوانياً أصبح رحمانياً، كان جاحداً، صار منصفاً،
    ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾
    يعني ما لم تتبدل قيم الإنسان 180 درجة فتوبته ليست صحيحة، أي إنسان أخذ اتجاهاً آخر، ما لم تقل زوجة التائب تغير لم يكن هكذا، كان غضوباً أصبح حليماً، كان بخيلاً أصبح كريماً،
    ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾



    صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده:

    قال الله تعالى في حديث قدسي:
    (( إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني: غفرتُ لك على ما كانَ مِنكَ، ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني: غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي، يا ابنَ آدم إِنَّكَ لو أتيتني بِقُرابِ الأرض خَطَايا، ثم لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئاً: لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَة ))

    [ الترمذي عن أنس]
    بل إن في بعض الأحاديث:

    (( لَلّهُ أشَدُّ فْرَحا بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنْ أحَدِكم بِضَالَّتِهِ إذا وجَدَها ))

    [أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
    وفي رواية ثانية:

    (( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ـ ضيع شيئاً ثمينا جداً ـ والعقيم الوالد ـ بعد عشر سنوات جاءه مولوه ـ ومن الظمآن الوارد ـ كاد يموت عطشاً في الصحراء ثم رأى الماء ـ ))

    (( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

    [ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
    بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن قصة عبّر بها عن فرح الله بتوبة عبده، فذكر أن أعرابياً ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، أدركه التعب، فجلس ليستريح، فلما أفاق من استراحته لم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، بكى بكاءً مراً من شدة البكاء أخذته سنة ثانية من النوم، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، من شدة الفرح اختل توازنه، وقال كلمة الكفر، قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي يقول عليه الصلاة والسلام:

    (( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))
    صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده.


    بطولة الإنسان أن يرجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي:

    الآن المعنى الدقيق في قوله تعالى:

    ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾

    ( سورة التوبة الآية: 118 )
    يعني تاب الله على نبيه:

    ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

    ( سورة التوبة )
    هناك توبة تسبق توبة العبد، هناك توبة تلحق توبة العبد، بل إن توبة العبد بين توبتين
    ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

    ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾
    يفهم من هذا الآية أن الله ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة.
    إنسان متلبس بمعصية، يسوق الله عز وجل له شدة، تلوح له مصيبة، يهدده إنسان، يشعر بآلام معينة في جسمه، هذا من توبة الله عليه، يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، والمقلقات التي تدفع الإنسان إلى باب الله، تدفعه إلى التوبة، تدفعه إلى الصلح مع الله، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد أي قبل التوبة، فالله يدفعك إلى التوبة فتتوب وبعدها يقبل توبتك، فتوبتك ينبغي أن تكون بين توبتين، لكن أحياناً الله عز وجل يسوق لك إنساناً يبلغك الحقيقة، من دون مصيبة، هنا البطولة أن ترجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي، أما حينما تأتي الشدة ونتوب أيضاً وضع جيد، أما الأجود أن تتوب بالملاحظة، أن تتوب بالبيان، أن تتوب بالهدى البياني.


    كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ:

    على كلٍ يجب أن تكون توبتك بين توبتين، بين توبة الله التي قبلها وهي البيان أو الشدة، أو أسلوب معين يحملك الله على التوبة، ثم أن تأتي توبتك صادقة، ويأتي بعدها توبة الله عليك بمعنى أنه قَبِل توبتك، فتوبة قبلها، وتوبة بعدها.
    أيها الأخوة الكرام، الموضوع دقيق جداً، الموضوع من أقرب الموضوعات إلى المؤمن "التواب" لأن المؤمن مذنب تواب.

    (( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

    [ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
    والتوبة كما قلت: مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وهي حبل الله المتين حينما تخرقه زلاته، وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.





    والحمد لله رب العالمين


     



  4. رقم #67
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : اليوم الساعة : 11:08 AM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل






    بسم الله الرحمن الرحيم




    (64)



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى:(الصمد):


    أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الصمد".



    ورود اسم الصمد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص فقط و وروده في السنة الشريفة:


    اسم الله "الصمد" ورد مع اسمه الأحد في سورة الإخلاص فقط، قال تعالى:

    ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾

    ( سورة الإخلاص )
    وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة النبوية الصحيحة في عدة مواضع، منها:

    (( أنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا ))

    [ البخاري عن أبي هريرة]
    و:

    (( قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال: الله أحد، الله الصمد ثلثُ القرآن ))

    [ البخاري عن أبي سعيد الخدري]
    و:

    (( خرج إِلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرأُ عليكم ثلث القرآن ؟ فقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَد، الله الصمَدُ... حتى ختمها ))

    [مسلم عن أبي هريرة]
    و:

    (( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوتر ـ يعني يقرأ في صلاة الوتر ـ بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، و: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))

    [أبو داود عن أُبيّ بن كعب]
    فهذه الأحاديث الصحيحة، وفي تلك السورة الوحيدة ورد اسم "الصمد".


    الصمد في اللغة:

    أيها الأخوة، "الصمد" في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالصمدية، الفعل صمد يصمد، صمداً، هذا الفعل يأتي على عدة معانٍ، منها السيد المطاع، "الصمد" السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر، بالتعبير المعاصر: بكل تجمع يوجد رجل قوي لا يقضى دونه أمر ، هذا هو "الصمد" بالمعنى اللغوي.
    ومنها "الصمد" الذي يُطعِم، ولا يُطعَم.
    ومنها "الصمد" هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد في كل شيء، كل أنواع العظمة تنتهي إليه، فله الصمدية المطلقة.
    وقيل "الصمد" هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه.
    وقيل "الصمد" هو الذي يصمد إليه الأمر، يعني يرجع إليه الأمر، فلا يقضى دونه، وليس فوقه أحد.
    وقيل "الصمد" الذي صمد إليه كل شيء، أي الذي خلق الأشياء كلها، ولا يستغني عنه شيء، كل هذه المعاني لكلمة "الصمد" تتمحور حول وحدانية الله جلّ جلاله.



    الأقوال المتعددة في الصمد:

    الإمام البخاري في باب قول تعالى
    ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾
    يقول: العرب تسمي أشرافها "الصمد" هو السيد الذي انتهى إليه المجد.
    وقال أحد العلماء: الاسم "الصمد" فيه أقوال متعددة، قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، أما المشهور من هذه الأقوال المتعددة قولان، أحدهما أن "الصمد" هو الذي لا جوف له، يعني أصم.
    أحياناً تنقر على طبل، يصدر صوتاً، أما لو نقرت على صخر لا يوجد صوت أبداً، لأن الصخر لا جوف له، لا يوجد فراغ بالداخل، أصم، ممتلئ.
    "الصمد" هو الذي لا جوف له، والثاني "الصمد" هو الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد إليه في تلبية الحوائج.
    وابن الجوزي يقول: "الصمد" أربعة أقوال، أحدها أنه ؛ السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والثاني ؛ أنه لا جوف له، والثالث ؛ أنه الدائم، والرابع ؛ الباقي بعد فناء خلقه وأصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له بذلك.
    أيها الأخوة، أصل "الصمد" القصد، أنت من تقصد عندما تكون في ضائقة ؟ القوي، تقصد من ؟ الغني، تقصد من ؟ من بيده كل شيء، تقصد من ؟ القادر، معنى القوي، معنى الغني، معنى القادر، معنى الواحد لا ند له، لا شريك له، هذه المعاني كلها يمكن أن تعبر عن معنى "الصمد"، يعني المؤمن مع الواحد، الأحد، الفرد "الصمد"، المؤمن مع القوي، المؤمن مع الغني، المؤمن مع القدير، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟.


    سرّ عظمة المؤمن الإقبال على الله عز وجل:


    أخوانا الكرام، الفقهاء لهم عبارة نحتاجها الآن، لا تجوز الزكاة لطفل، أو لابن الغني، طفل صغير، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكن لأنه ابن غني، لا تجوز الزكاة عليه، لماذا ؟ قال: لأن الطفل طفل الغني غني بغنى أبيه، يعد غنياً لأن أباه غنياً.
    طبق هذا المثل على المؤمن، المؤمن قوي بقوة الله، المؤمن غني بغنى الله، المؤمن قادر بقدرة الله، أنت حينما تلتجئ إلى الله، وتتجه نحوه، وتتوكل عليه، وتقبل عليه، تكون قوياً، وغنياً، وعالماً، وحكيماً، هذا سرّ عظمة المؤمن.
    أيها الأخوة، كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور يعني يقرأ ويكتب، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة ، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه.
    الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية ، المؤمن مرتبة جمالية، يتميز المؤمن أنه عرف الحقيقة العظمى، عرف الله، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً.



    خلاصة المعاني في الصمدية:


    أيها الأخوة، لازلنا في اسم "الصمد" خلاصة المعاني في الصمدية أن "الصمد" هو السيد الذي له الكمال المطلق.
    مرة ثانية أبين لكم: الإنسان كماله نسبي، قاضٍ من بني البشر نَصِفه بأنه عادل، إذاً معظم أحكامه صحيحة، فهذا الحكم نسبي، أصدر ألف حكم أربعة أحكام ليست صحيحة، لا لسوء ظن منه، ولا لسوء تصرف، لكن هناك معلومات لم يصل إليها، فلم يأتِ حكمه صحيحاً، نقول: هو قاضٍ عادل، أما إذا قلنا: الله عدل نصف الله بالعدل، والعدل إذا نسب إلى الله فهو صفة مطلقة، يعني مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الكون من آدم إلى يوم القيامة من يُظلم.

    ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

    ( سورة غافر الآية: 17 )

    ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

    ( سورة النساء )

    ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

    ( سورة العنكبوت الآية: 40 )

    ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

    ( سورة الأنبياء )
    إذاً "الصمد" من له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، في كل شيء، ويصمد إليه ؛ يلجأ إليه، ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه لوجه من الوجوه، وليس فوقه أحد في كماله ، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، فالأمور أُصمدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي يُطعِم، ولا يُطعَم، ولم يلد، ولم يولد.
    هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟! لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
    أيها الأخوة، هذه المعاني التي يمكن أن نستنبطها من اسم "الصمد" .


    علامة محبة الله عز وجل للعبد جعل حوائج الناس إليه:

    الآن حقيقة دقيقة جداً تتعلق بنا نحن المؤمنين، الحقيقة أن الله عز وجل إذا أحبّ عبداً جعل حوائج الناس إليه، لا تضجر إذا أقبل الناس عليك، لا تضجر إذا طُرق بابك كثيراً، لا تضجر إذا تحلق الناس حولك، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، علامة محبة من الله.
    (( عبدي أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر ))

    [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
    إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، ما دورك في الحياة ؟ ما وظيفتك ؟ هل تلقي الحقائق على الناس أم تلقي عليهم الضلالات ؟ هل تلقي في قلوبهم الأمن أم تلقي في قلوبهم الخوف ؟ هل تأخذ منهم ما لك عندهم، أم تأخذ منهم ما ليس لك عندهم ؟.
    أيها الأخوة، ينبغي لكل واحد أن يحاسب نفسه حساباً في الدنيا، حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن كان يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
    ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

    ( سورة الحجر )



    الإنسان الأحمق من توهم أنه لا يوجد حساب و عذاب بعد الموت:

    هناك سؤال:

    ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

    ( سورة القيامة )
    يعني أن يتوهم الإنسان أن لا حساب، ولا عذاب، هذا غباء ما بعده غباء ، وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة،
    ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

    ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

    ( سورة المؤمنون )



    أنواع الإيمان:

    1 ـ الإيمان الحسي:


    أيها الأخوة، أجمع العلماء على أن الإيمان أنواع منوعة، هناك إيمان حسي أنا أرى أن الضوء متألق، هذا إيماني حسي، أرى تألق الضوء بعيني، أنا أستمع إلى الصوت بأذني، أنا ألمس هذه الطاولة بيدي، هذا إيمان حسي، هذه دائرة.



    2 ـ الإيمان العقلي:


    لكن هناك إيمان عقلي، أنا أوقن أن في هذا المسجد كهرباء، مع أني لا أراها لكن أرى آثارها، أرى آثارها كتكبير الصوت، أرى آثارها كتألق المصابيح، أرى آثارها كعمل المكيف، هذه آثار الكهرباء، فالإيمان بوجود الكهرباء في المسجد إذاً عقلي، وليس إيماناً حسياً، هناك إيمان حسي أداته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أداته العقل، الإيمان الحسي شيء ظهرت عينه وآثاره، فالإيمان به بالحواس الخمس، أما الإيمان العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، تألق المصباح، وعمل المكيف، وتكبير الصوت.
    لكن هذه الخزانة مهما تكن ذكياً، مهما تكن ألمعياً، مهما تكن عبقرياً هل تستطيع أن تخبرني ما بداخل هذه الخزانة ؟ أبداً، إلا أن يأتي إنسان صادق يقول لك: فيها أجهزة الصوت.



    3 ـ الإيمان الإخباري:


    الإيمان الثالث إيمان إخباري، هناك إيمان حسي أدواته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أدواته العقل، و إيمان إخباري، الإيمان الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره معاً، فالحواس الخمس، أو استطالات الحواس الخمس، كالميكروسكوب، والتليسكوب.
    أما الإيمان العقلي لشيء غابت عينه، وبقيت آثاره، الإيمان بالله عز وجل الكون ينطق بوجوده، ووحدانيته، وكماله، كل شيء في الكون آية تدل عليه، فالإيمان بالله إيمان عقلي.
    لكن الإيمان بالآخرة، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، الملك غابت عينه وآثاره، والجن غابت عينه وآثاره، فالشيء الذي غابت عينه وآثاره هذا عالم الغيب الإيمان به بدليل إخباري، يعني الله عز وجل أخبرنا أنه بعد الموت جنة أو نار، الله عز وجل أخبرنا أن هناك ملائكة يسبحون الله، الله أخبرنا أن هناك جن، مخلوقات، هذا إيمان إخباري.



    الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن قيم الجوزية:



    إلا أن أحد العلماء الكبار وهو ابن القيم رحمه تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل لا يقبل أن هذا الكون العظيم، هذه القدرة الهائلة، هذه الحكمة الحكيمة، هذا الخلق الرائع، هذا التنوع بالمخلوقات، هذه الدقة في الصنع، يقابلها ظلم، هناك غني و هناك فقير، هناك قوي و هناك ضعيف، هناك صحيح و هناك مريض، هناك وسيم و هناك دميم، ابن القيم رحمه الله تعالى يرى، وينفرد أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي أيضاً، فضلاً عن أن الإيمان باليوم الآخر إيماناً إخباري، هو إيمان عقلي لأن العقل السليم لا يقبل أبداً أن تنتهي الحياة، وهناك مظلوم، وهناك غني، و هناك صحيح، وهناك فقير معدم، وهناك دول طاغية، وهناك دول تعاني ما تعاني من سيطرة هذه الدول لا تفهم الحياة على حقيقتها إلا باليوم الآخر.



    العاقل من لا يوازن بين شيئين إلا إذا أضاف مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا:



    أنا أنصح الأخوة الكرام: لا توازن بين شيئين، لا توازن بين شخصين، لا توازن بين عملين، لا توازن بين مجموعتين، لا توازن بين نشاطين، إلا إذا أضفت مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا، ثم وازن، لا توازن بين مجتمعين، ولا بين مؤسستين ولا بين تجارتين.
    الآن أربح أنواع التجارات تجارة المخدرات، المخدرات من مكان زراعتها، إلى مكان بيعها هناك ألف ضعف، كل التجارات بالأرض التجارات بالمئة عشرة، بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرون، أما المخدرات ألف ضعف أرباحها، بين مكان زراعتها، ومكان استهلاكها في ألف ضعف.
    فلذلك الإيمان باليوم الآخر عند ابن القيم إيمان عقلي، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، ويستحيل أن يدع عباده بلا حساب، ولا محاسبة، ولا مسؤولية، وليؤمن لمجرد أن يعتقد أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، يستقيم على أمر الله، الإيمان من أجل أن تستقيم، الإيمان من أجل أن تأتي الله يوم القيامة طاهراً، نقياً، مستقيماً.



    معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية تحدد حركة الإنسان في الحياة:

    هناك دروس مصيرية، صدق أيها الأخ الكريم، أن معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية، أي تحدد حركتك في الحياة، إله عظيم يحاسب على كل سلوك، على كل حركة، وعلى كل سكنة.
    جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي قوله تعالى:

    ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

    ( سورة الزلزلة )
    قال: كُفيت، المصحف ستمئة صفحة، وهناك ملايين الكتب، وملايين المحاضرات، والمؤتمرات، والندوات، والنشرات، تلا عليه آية واحدة، قال: كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل، أي صار فقيهاً، فَقُه غير فَقِه، فَقِه باللغة يعني عرف الحكم، أما فَقُه أصبح فقيهاً، من آية واحدة.
    ونحن أيها الأخوة، حينما نؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه.
    أنت كإنسان مع وزارة المالية، وأنت مستورد، إذا أغفلت صفة استوردتها، ولم تخبر بها المالية، والمالية عندها وسائل لكل مستورداتك، فإذا فعلت هذا معها أهدرت كل حساباتك، وكلفت ضريبة أضعافاً مضاعفة، لماذا لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها أمام إنسان لكن يملك المعلومات الدقيقة عنك ؟ أنت مع إنسان عادي، يعلم، يطولك علمه ، وتطولك قدرته لا يمكن أن تعصيه، مع إنسان، أي إنسان أقوى منك يطولك علمه، وتطولك قدرته لا تعصيه، فإذا أيقنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب تستقيم على أمره.
    لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من أجل أن تستقيم على أمره، ومن أجل أن تأتيه يوم القيامة طاهراً نقياً تستحق الجنة.





    والحمد لله رب العالمين


     



  5. رقم #68
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : اليوم الساعة : 04:01 PM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم


    (65)





    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى: ( الغني):


    أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغني".



    ورود اسم الغني في القرآن الكريم:


    هذا الاسم ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى:

    ﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾

    ( سورة محمد الآية: 38 )
    شأن الخالق أنه غني عن كل شيء، وشأن المخلوق أنه مفتقر إلى كل شيء ، الرب رب، والعبد عبد، وفي قوله تعالى:
    ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

    ( سورة الأنعام الآية: 133 )
    أحياناً يكون الإنسان رحيماً لكنه فقير، يتحرق قلبه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً فقير، لكن عظمة الله عز وجل أنه غني، وأنه رحيم، فغناه ورحمته تعطيان الإنسان كل شيء.


    اقتران اسم الغني بعدة أسماء منها:


    1 ـ الحميد:


    وغالباً ما يقترن اسم "الغني" باسم الحميد، كما في قوله تعالى:

    ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

    ( سورة الحج )
    هو غني عن عباده، لكنه يعاملهم معاملة يحمدونه عليها، هناك إنسان قد يكون غنياً، لا يحتاج إلى أحد، تراه فظاً، غليظاً، مستكبراً، مستعلياً، أما خالق السماوات والأرض، الذات الإلهية، الكاملة، غني، ومع أنه غني كامل، ما أروع أن يجتمع الغنى مع الكمال.
    الرحمة حسن لكن في الأمراء أحسن، هناك حديث طويل حول هذا الموضوع أحيانا تجتمع صفتان في الإنسان فيكون متألقاً أعلى تألقاً، الله عز وجل "الغني" حميد، مع أنه غني عن عباده، لو أن كل من في الأرض كفروا لا يحتاج إليهم أبداً، ومع ذلك يعاملهم معاملة كاملة يحمدونه عليها.


    2 ـ الحليم:


    واقترن اسم الله "الغني" باسم الحليم.

    ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

    ( سورة البقرة )
    غني عن عباده لكنه يمدهم بالطعام والشراب والهواء، ويمدهم بكل ما يحتاجونه إذاً وهم يعصونه، يُعصى ويرحمهم.

    (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

    [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]



    3 ـ الكريم:


    اقترن اسم الله "الغني" باسم الكريم:

    ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

    ( سورة النمل )
    هناك غني بخيل، العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
    وفي الحديث الشريف:

    (( اللهم أنت الله، لا إِله إِلا أنت، أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء، أنْزِلْ علينا الغيث واجعلْ ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إِلى حين ))

    [ أبو داود عن عائشة]




    غنى الإنسان نسبي لأنه في الوقت نفسه مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى:

    أيها الأخوة، الغني في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالغنى فعله غني غنىً، واستغنى واغتنى فهو غني، لكن الحقيقة الدقيقة أن غنى الإنسان نسبي.

    ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

    ( سورة الزخرف الآية: 32 )
    كيف ؟ يعني إنسان يشعر بألم في صدره يقلق أشد القلق، قد يكون غنياً كبيراً يذهب إلى طبيب القلب، وهو في أعلى درجات التواضع له، يا ترى هل أحتاج إلى عمل جراحي، أم لا أحتاج ؟ هل هذا الألم عابر، أم مستمر ؟ هل هذا الألم يدل على خطر قادم أم أنه ألم عارض ؟ هذا الغني الكبير يقف أمام الطبيب في أعلى درجات الأدب والتواضع والافتقار إلى علم هذا الطبيب، إذاً في هذا الموقف هذا الغني مفتقر إلى هذا الطبيب، هو غني لكنه الآن مفتقر إلى هذا الطبيب.
    الاختصاصي في إصلاح المركبات، هو الآن أعلى من هذا، يأتي الآن طبيب، طبيب القلب نفسه، يستمع بسيارته إلى صوت غير طبيعي في المحرك، يقلق أشد القلق، يا ترى هل هذا مؤشر على تبديل المحرك ؟ يأتي إلى من اختص في إصلاح المركبات، هذا الطبيب المتفوق طبيب القلب يقف أمام هذا الإنسان بتواضع بالغ، يا ترى صوت عارض، طارئ، يحتاج إلى إصلاح، يحتاج إلى تبديل محرك، ماذا يحتاج ؟ بالموقف الأول الغني مفتقر للطبيب، الموقف الثاني الطبيب مفتقر لهذا الإنسان الذي يصلح المركبات، وكل إنسان متفوق في شيء إذا هو فيه غني، لكن مفتقر إلى أشياء ، مفتقر إلى مليون شيء.
    لذلك هذا معنى قوله تعالى:
    ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

    ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

    ( سورة الزخرف )
    فأنت في الأعم الأغلب قد تتفوق باختصاص، بحرفة، بخبرة، بمال، بعلم ، بمنصب، وفي الوقت نفسه أنت مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى، أوضح شيء الصحة قد يكون قوياً ويقلق أشد القلق على صحته، قد يكون غنياً ويحتاج إلى خبير لإصلاح هذه الحاجة.


    توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء:

    أيها الأخوة، لذلك الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، هذا ممتحن بالغنى، وهذا ممتحن بالفقر، وهذا ممتحن بالوسامة، وهذا ممتحن بالدمامة، وهذا ممتحن بالصحة فكل ما آتاك الله إياه أنت ممتحن فيه، وسوف ينظر الله ماذا تعمل، هل تتخذ الصحة أساساً للمعصية والإثم ؟ أم أن تتخذ الصحة لخدمة الخلق ؟ هل تتخذ وقت الفراغ للانحرافات التي لا ترضي الله ؟ أم تتخذ وقت الفراغ لطلب العلم ؟ أنت ممتحن بوقت الفراغ، ممتحن بالصحة ، ممتحن بالمال، ممتحن بالزوجة، ممتحن بالأولاد، ممتحن في كل ما آتاك الله، وممتحن في كل ما زوي عنك، لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

    (( اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب ))

    [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
    إذا امتحنتنا بالغنى، أو بالصحة، أو بالقوة، أو بالوسامة، فاجعل هذه الأشياء في خدمة عبادك يا رب، وإن امتحنتنا بالفقر أحياناً، بالمرض أحياناً، فاجعل الفراغ الناتج عن هذا الامتحان في طاعتك.

    ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

    [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]



    الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح:


    أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: أنك إذا وصفت إنساناً بأنه غني فهذا في الحقيقة ليس بغني، هذا غنى نسبي، لماذا ؟ يعني الإنسان على حجم ماله الكبير، على هيمنته الكبيرة، على مكانته الرفيعة، على سيطرته، على كل ما يملك هذا منوط بقطر شريانه التاجي فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب لا تنتهي، وقد ينجو، وقد لا ينجو، إذاً ليس غنياً ، وهذا الغني، هذا القوي، هذا المتفوق، هذا المتغطرس، كل مكانته، وقوته منوطة بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم في أحد أوعية دماغه في مكان أصيب بالشلل، في مكان فقد الذاكرة، في مكان فقد السمع، في مكان فقد البصر، في مكان فقد الحركة، إذاً ليس غنياً.

    أعرف شخصاً جاء بشهادة عليا، وصل لمنصب ما قبل الوزير، مكانة، وعلم ، وزوجة رائعة، وبيت فخم، ودخل كبير، فقد بصره، زاره أحد أصدقائي، قال له: يا فلان والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتسول، وليس عليّ إلا هذا المعطف، وأن يرد لي بصري.
    إذاً ما في غني، "الغني" هو الله.
    شيء آخر قاله الإمام علي رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
    أما قبل العرض على الله لا يعد الغني غنياً، ولا الفقير فقيراً، وأصحّ ما في هذا اللقاء الطيب أن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح، والدليل: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى للفتاتين ابنتي سيدنا شعيب، قال:

    ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

    ( سورة القصص )
    فيجب أن تعد نفسك غنياً إذا أكرمك الله بعمل صالح، إذا سخرك لخدمة خلقه، إذا كنت مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر، إذا بثثت في الناس الطمأنينة، والأمن، والسكينة ، إذا أطعمت جائعهم، إذا كسوت عاريهم، إذا عالجت مريضهم، إذا آويت مشردهم، إذا أنصفت مظلومهم، أنت الغني، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح.


    القرار البطولي الذي يتخذه الإنسان بالتوبة قد يدفع ثمنه و لكن يرقى به إلى الجنة:

    الآن الغنى في ذات الله عز وجل إذا تعلق الغنى بالمشيئة فهو من صفات الأفعال كقوله تعالى:
    ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

    ( سورة التوبة الآية: 28 )

    هناك ملمح لطيف بالآية دقيق جداً، أوضحه بالمثل التالي:
    إنسان يبيع الخمر في مطعم من أعلى مستوى، ثم أراد أن يتوب، فلما تاب انخفض الدخل إلى العشر، هذا الانخفاض له حكمة بالغة جداً، أراد الله جل جلاله أن يجعل لهذا القرار البطولي ثمن يدفعه، بهذا الثمن يرقى يوم القيامة
    ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ﴾
    لكن بعد حين يفتح الله عليه أبواب الرزق. لابدّ من امتحان، إذا إنسان أراد أن يتخذ قراراً بطولياً قد يدفع ثمنه، هذا الثمن الباهظ لقراره هو الذي يرقى به في الجنة، لكنه إلى حين
    ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

    ﴿ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

    ( سورة التوبة )
    هذه إذاً من صفات الأفعال، لأنه هو أغنى وأقنى.


    الغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه:

    "الغني" صفة من صفات أفعال الله عز وجل، وإن لم يتعلق الغنى بالمشيئة، فهو صفة من صفات الذات.
    ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

    ( سورة آل عمران )
    هذه صفة ذات، وكقوله تعالى:
    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

    ( سورة فاطر )
    لو دخلنا في تفاصيل معنى "الغني"، "الغني" سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته، وبصفاته، وبسلطانه، والخلق جميعاً فقراء إلى إنعامه، وإحسانه، فلا يفتقر إلى أحد في شيء، بل كل مخلوق مفتقر إليه في كل شيء، وهذا هو الغنى المطلق، وهو الغنى الحقيقي ، وغنى الإنسان غنى مجازي، يعني غني بماله، لكن مفتقر إلى الصحة، مفتقر إلى العقل ، مفتقر إلى التوفيق، مفتقر إلى النصر.


    الغني هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته:

    و "الغني" أيضاً هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته، وأي غني سوى الله فغناه نسبي، مقيد، مجازي، لا غني على الحقيقة إلا الله، أما غنى الحق جلّ جلاله فهو غنىً كامل ومطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه.
    كان هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا، دخل إلى غرفة أمواله، فالباب أغلق عليه خطأ، وكان كثير الأسفار، فظنه أهله أنه مسافر، بدأ يصرخ ويصرخ إلى أن أشرف على الموت، فجرح إصبعه، وكتب بدمه على الحائط: أغنى إنسان في بريطانيا يموت جوعاً وجوده ميتاً في غرفة أمواله.



    ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة:


    الإنسان فقير، فقير إلى شربة ماء، يا أمير المؤمنين ! بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
    أنت وكل ما تملك رهن كأس ماء، مهما بلغ المخلوق في غناه، فهو فقير إلى الله، لأنه المنفرد بالخلق والتقدير، والملك والتدبير، هو المالك لكل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
    قد تملك دولة طائرة، تبيعها إلى دولة أخرى، الآن المالك الحقيقي هو الثاني ، لكن قد تمتلك بيتاً، ملك رقبة، وقد تسكنه، وتملكه ملك منفعة، ولكن مصيره ليس إليك، إما أن يصادر، أو أن تنظم المنطقة فيؤخذ بطريق، أو أن يموت الإنسان ويتركه، أو أن يضطر إلى بيعه، آتي بأمثلة دقيقة:
    ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه من حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى، ولا تنفذ:

    (( يدُ الله ملأى، لا يَغيضُها ـ أي لا ينقصها ـ نفقة سحَّاء ـ مستمرة، دائمة ـ الليل والنهار ـ يعني طوال الليل والنهار ـ و قال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماء والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ـ أي لم ينقص ـ ما في يده، وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))

    [ متفق عليه عن أبي هريرة]
    و النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه عن ربه تبارك وتعالى:

    (( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

    [ مسلم عن أبي ذر]
    أيها الأخوة، "الغني" على سبيل الإطلاق، والقيام بالنفس هو من صفة الله وحده الغنى المطلق، والقيام على الخلق هو الله جل جلاله، وليس ذلك لأحد سواه، هو "الغني" بذاته عن العالمين، المستغني عن الخلائق أجمعين، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع أن يكون الحق متوحداً في غناه، لأن الغني في حق غيره مقيد، وفي حق الله مطلق، وهذا واضح معلوم، وذلك مطرد في جميع أوصافه بدلالة اللزوم.


    تقنين الله عز وجل تقنين تأديب و تقنين العباد تقنين عجز:


    بقي شيئاً آخر في الغنى، قد نرى شحاً في الأمطار، وقد نرى قلة في المحاصيل، وقد نرى قصراً في العمر، وقد نرى أشياء قليلة بالحياة، الحقيقة مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين عجز، أما نحن البشر نقنن تقنين عجز الكهرباء قليلة نقطع التيار لساعات عن كل حي في المدينة، الماء قليل، نقطع الماء ساعات طويلة كل يوم، المحاصيل قليلة نرفع الأسعار، الإنسان يقنن تقنين عجز، إلا أن الله جل جلاله إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب، الأدلة:

    ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

    ( سورة الحجر )
    الآية الثانية:
    ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

    ( سورة الشورى )
    مرة كنت في العمرة، اطلعت على مجلة علمية رصينة، قرأت فيها بحثاً عن اكتشاف سحابة في الفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة،
    ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾



    التقنين من الله تعالى تقنين تربية و معالجة و سوق إلى بابه الكريم:

    لذلك التقنين تقنين إلهي.

    ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

    ( سورة الأعراف الآية: 96 )

    ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

    ( سورة الجن )

    ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

    ( سورة المائدة الآية: 66 )
    وقد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، فالتقنين فيما يبدو هو تقنين تأديب لا تقنين عجز، تقنين حكمة، تقنين تربية، تقنين معالجة، تقنين سوق إلى باب الله عز وجل ، فئة كبيرة جداً من عباد الله قد تساق إلى الله عز وجل بالتقنين والحرمان أحياناً، ولكن نسأل الله جلّ جلاله أن يجعل الرخاء والبحبوحة حالة يتمتع بها كل المؤمنين.





    والحمد لله رب العالمين


     



  6. رقم #69
     افتراضي  العنوان : رد: أسماء الله الحسنى
    كاتب الموضوع : السعيد
    بتاريخ : اليوم الساعة : 04:14 PM

    طيب مميز


    الصورة الرمزية السعيد

    رقم العضوية : 8073
    الانتساب : May 2005
    العمر : 41
    المشاركات : 403
    بمعدل : 0.09 يوميا
    معدل تقييم المستوى : 14
    التقييم : Array
    السعيد غير متصل





    بسم الله الرحمن الرحيم


    (66)



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





    من أسماء الله الحسنى: (المجيب):


    أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيب".



    تسمية الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق و التعظيم:


    سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق، الإطلاق حُكم غير مقيد، مطلق، لو فرضنا قرأنا الآية الكريمة:

    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾

    ( سورة النمل الآية: 19 )
    أي عمل صالح على الإطلاق ينضوي تحت هذه الكلمة،
    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
    لكن الله سبحانه وتعالى قيده، فقال:
    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

    ( سورة النمل الآية: 19 )
    العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً، صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
    أحياناً هناك عمل صالح يبتدعه الإنسان، يقول لك: حفل غنائي ساهر يرصد ريعه للأيتام، المبالغ التي سوف نجنيها من هذا الحفل الفني الساهر من أجل أيتام، أو نقول يانصيب خيري، الآية الكريمة:
    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
    والله عز وجل يرضى عن العمل الصالح إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، أقول
    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
    مقيد، إذا قرأنا الآية الكريمة:
    ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
    نقول مطلق، صالحاً وحدها مطلق، أما
    ﴿ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
    مقيد، وقالوا: الصفة قيد.
    قل: إنسان، تشمل ستة آلاف مليون، قل: إنسان مسلم مليار وخمسمئة مليون، ضاقت الدائرة قل: إنسان مسلم عربي، أربعمئة مليون، كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة.
    لذلك سمّى الله جل جلاله ذاته العلية باسم "المجيب"، على سبيل الإطلاق، والتعظيم.


    ورود اسم المجيب في القرآن الكريم معرفاً و منوناً:

    ورد هذا الاسم معرفاً في القرآن الكريم في قوله تعالى:

    ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

    ( سورة الصافات )
    معرف، "المجيب"، وقد ورد أيضاً منوناً، في قوله تعالى:
    ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾

    ( سورة هود )
    يعني مجيب، الفرق بين المعرف والمنون، الكلمات أيها الأخوة، في اللغة نكرة أو معرفة، المعرفة ما دلت على معين، دمشق معرفة، أما عاصمة نكرة، المدينة نكرة القاهرة معرفة، ما دلّ على معين فهو معرفة، وما لم يدل على غير معين فهو نكرة، وفي بيت جمعت به المعارف، قال:

    إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل
    * * *

    يعني المعارف سبعة، أنا: الضمير معرفة، صالح: اسم العلم معرفة، أنا صالح ذا: اسم الإشارة معرفة، ما: اسم الموصول معرفة، ما الفتى: المعرف بأل معرفة، ابني: المضاف معرفة، يا رجل: المنادى معرفة،

    إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل
    * * *

    إذاً ورد هذا الاسم مطلقاً ومقيداً، وورد نكرة ومعرفة، ولم يرد هذا الاسم في السنة إطلاقاً، إلا في حديث سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي وعند ابن ماجة، هذا في شأن ورود الاسم في القرآن والسنة.


    معاني المجيب في اللغة:

    أما في اللغة: "المجيب" اسم فاعل، أجاب، يجيب، فهو مجيب، اسم فاعل من الرباعي على صيغة المضارع، بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر.
    "المجيب" اسم فاعل، والفعل أجاب، يجيب، جواباً، وإجابة، واستجابة ، والإجابة صدى الكلام، أو ترديده، هذا معنى، أو المحاورة في الكلام، يقول لك: حوار الآن، وهناك حوار، و هناك جدال، والفرق بينهما واضح، الحوار شيء جيد جداً، أما الجدال شيء غير جيد، سيء.
    والإجابة رد السؤال، كم الساعة ؟ تقول لي: الساعة السابعة، الإجابة رد السؤال.
    وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت في حديث الإفك:

    (( فوجدتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ منزلَهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئتُ منازلهم وليس بها منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ ))

    [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ]
    فالله عز وجل من أسمائه "المجيب" سألتك فأجبتني، الآن سألتك حاجة فأعطيتني هناك فرق، سألتك عن قضية فأجبتني، أما سألتك حاجة فأعطيتني، والإجابة إجابة المحتاج بالعطية، إعطاء الفقير عند السؤال.
    إذاً أصبح للمجيب معنيان كبيران، إجابة السائل بالعلم، وإجابة النائل بالمال، تسألني إجابة عن سؤال فأجيبك، تسألني عطاءً فأعطيك.


    للمجيب معنيان كبيران إجابة السائل بالعلم وإجابة النائل بالمال:

    الآن إذا قلنا أن الله هو "المجيب" دخلنا في اسم الله "المجيب"، "المجيب" بالمعنى الأول الإجابة، بالمعنى الثاني أن يعطي الله السائل سؤله، يا رب ارزقني زوجة صالحة مثلاً شاب في مقتبل حياته، يقول: يا رب ارزقني زوجة صالحة، هذا اسمه نائل، والجواب: أن يزوجه زوجة صالحة، يا رب اهدنِ إلى معرفتك، سؤال من نوع آخر، فإذا سألت إنساناً يجيبك، وإن سألته حاجة يعطيك، سؤال علمي، أو سؤال عطاء، إما أن تكون الإجابة بيانية، حدثني عن الساعة، حدثني عن القضاء والقدر، حدثني عن عدل الله ، حدثني عن الدار الآخرة، حدثني عن عذاب القبر، حدثني عن حال الإنسان في الجنة، مثلاً هذا سؤال، فالله عز وجل مجيب، أو الإنسان أحياناً يسأل دون أن يحرك شفتيه، يا رب دلني عليك، يا رب هناك قضية بالدين ليست واضحة عندي، يا رب وضحها لي، نور قلبي هذا سؤال، قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، ودليل القلب سيدنا ذكريا:

    ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

    ( سورة مريم )
    ما تكلم بلسانه، والإنسان من دقة هذا الشرع، وعظمة هذا الدين أنك في بعض الظروف يمكن أن تسأل الله بصدق وإخلاص دون أن تحرك شفتيك،
    ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
    أخ كريم، كنت في سفر إلى اللاذقية، رأيت مسجداً في مكان جميل على الساحل مسجد رائع، صليت فيه ركعتين فإذا رجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ليضيفني قهوة قال لي: أنا أنشأت هذا المسجد، قال لي: قبل عشرين عاماً، كنت متجهاً إلى الخليج، ولا أملك من حطام الدنيا شيئاً، أقسم لي بالله أنه في نفسه قال: يا رب أن أكرمتني لأبني لك بيتاً في هذا المكان , والله أكرمه , الشاهد لم ينطق بلسانه، يمكن أن تسأل ربك أكبر سؤال وأعظم سؤال , وأنت ساكت
    ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
    الله أكرمه، ويسر له بناء هذا المسجد، وحدثني عن قصته الممتعة حينما طلب من الله عز وجل التوفيق، والله عز وجل سمعه ولم يحرك شفتيه
    ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾



    المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه:


    الإنسان أحيانا يقول: يا رب دلني عليك، سبحان الله ! هي ظروف عجيبة جداً يجتمع مع إنسان. والإنسان يدله على أهل الحق، ويلتقي بهم، وينتفع بهم، في عنده طلب.
    فأنت أي طلب تطلبه بلسانك أم بقلبك يسمعه الله ويجيبك، لأنه مجيب، بل هو ينتظرك , بل هو ينتظر هذا السؤال.
    أيها الأخوة، "المجيب " هو الذي يقابل السؤال بالإجابة، والدعاء بالقبول، "المجيب" هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه.
    "المجيب" هو الذي يكشف السوء عن أوليائه، ويرفع البلاء عن أحبابه، أحياناً بلاء كبير ينزاح، مشكلة كبيرة تُحل، عدو متربص يصرفه الله عنك، الله مجيب ينتظر سؤالك، ودعاءك، كل الخلائق مفتقرة إليه، ولا قوام لحياتها إلا عليه، ولا ملجأ لها منه إلا إليه، في جهة واحدة في الكون هي الله جلّ جلاله، تلجأ منه إليه، تهرب منهم إليه.
    يغني لو فرضنا ابن أخطأ خطأ كبيراً في حق أمه , أمه توعدته أن تؤدبه فاتجه إليها، وأقبل عليها، وقبّل يدها، وقال: سامحيني، ماذا فعل ؟ هرب من عقابها إليها.
    هكذا شأن الإنسان مع الله عز وجل يفر منه إليه , يلجأ منه إليه , لا ملجأ ولا منجا لي منك إلا إليك.




    من أراد أن يعرف مقامه عند الله عز وجل فلينظر فيما استعمله الله تعالى:

    أيها الأخوة، الآية الكريمة:

    ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

    ( سورة الرحمن )
    آية دقيقة جداً:
    ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    كيف ؟ للتوضيح:
    طبيب مرّ على مريض أخذ لائحة الفحوصات، وجد الضغط مرتفعاً، أعطى أمراً بإيقاف الملح في الطعام، الطعام من دون ملح لا يستساغ، هذا قرار الطبيب، لأن شأن هذا المريض ارتفاع الضغط، فالموقف المناسب أن تمنعه من الملح،
    ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    وجد الضغط معتدلاً جداً، وجسم المريض بحاجة إلى غذاء دسم فأمر أن يُطعم أطيب الطعام.
    فأنت إن كان شأنك مع الله الطاعة فقرار الله الإكرام، وإن كان شأنك مع الله لا سمح الله ولا قدر المعصية فشأن الله معك التأديب
    ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    اليوم طور، الآن أنت مقبل، القرار الإلهي التكريم، الآن في جزء من المال حرام، القرار الإلهي تطهير مالك من هذا المال الحرام، يتلف المال، أنت متواضع شأن الله عز وجل أن يكرمك، أن يرفع شأنك، في تكبر، شأن الله عز وجل أن يحجمك، أنت منفق شأن الله أن يرزقك، أنت مقتر شأن الله أن يضيق عليك
    ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    إن أردت أن يكون الله لك كما تريد فكن له كما يريد.

    (( أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

    [ ورد في الأثر ]
    آية دقيقة جداً:
    ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    ما شأنك ؟ الطاعة ؟ شأن الله الإكرام ما شأنك ؟ لا سمح الله ولا قدر المعصية ؟ شأن الله التأديب، ما شأنك ؟ الإسراف في الإنفاق على ملذاتك ؟ شأن الله التقتير، ما شأنك ؟ الإنفاق في الأعمال الصالحة ؟ شأن الله التوسعة ما شأنك ؟ الخضوع لله ؟ شأن الله الإعزاز، يعزك، ما شأنك الكبر على العباد ؟ شأن الله الإذلال
    ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
    إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، جميع الخلائق تستند إليه وتعتمد عليه.


    صدق الإيمان والولاء شرط إجابة الدعاء:

    الآن شرط إجابة الدعاء: جميع الخلائق تدعوه إما بلسانها أو بحالها، عندنا لسان المقال، ولسان الحال، لذلك شرط إجابة الدعاء: صدق الإيمان والولاء، فالله حكيم في إجابته، قد يعجل أو يؤجل، على حسب السائل والسؤال، أو يلطف بعبد فيختار له ما يناسب الحال، أو يدخر ما ينفعه عند المصير والمآل، لكن الله تعالى يجيب عبده حتماً، ولا يخيب ظنه أبداً، كما وعد وقال وهو أصدق القائلين:
    ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

    ( سورة البقرة )

    ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾
    يطيعوني
    ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾
    يؤمنون بوحدانيتي، وأنني فعال لما أريد.

    ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

    ( سورة الزخرف الآية: 84 )
    لذلك شروط الإجابة أن تؤمن بالله الإيمان الذي يمنعك أن تؤذي عباده، والذي يحملك على طاعته، وأن تستقيم على أمره،
    ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
    إلى الدعاء المستجاب.


    الله عز وجل حكيم في إجابته:

    الآية الثانية:

    ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

    ( سورة غافر )
    لذلك قالوا: ما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، الآية الواضحة أن الله حكيم في إجابته، وقال تعالى:

    ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

    ( سورة الإسراء الآية: 18 )
    بالقدر الذي نشاء، وللسائل الذي نريد، هناك حكمة إلهية:
    ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

    ( سورة الإسراء )



    ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه:


    الآن دقق:

    ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

    ( سورة الإسراء )
    إن أردت الدنيا فلك الدنيا، إن أردت الآخرة فلك الآخرة، إن أردتهما معاً فلك الدنيا والآخرة، كل شيء له ثمن، والله عز وجل خلقك وأعطاك حرية الاختيار، وكأن الله سبحانه وتعالى تعهد لك أن يلبيك في اختيارك، وأنت اختار أي شيء وكل شيء له ثمن، لذلك:

    (( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))

    [ متفق عليه عن أبي هريرة]
    كيف ؟
    (( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))
    لأن الله "المجيب"، لأن اسم الله "المجيب"، فإما أن يعجل له في الدنيا، يا رب أتمنى أن أكون غنياً، يجعله غنياً ، إنسان يطلب أن يكون عالماً كبيراً، يجعله عالماً كبيراً، إنسان يطلب أن يكون أقوى الأقوياء يجعله أقوى الأقوياء.

    (( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا ـ سؤله ـ وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة ـ أجابه بمقام رفيع في الآخرة، أجابه بعطاء في الدنيا ـ وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا ـ إجابة الله للمذنب أنه يكفر عنه من ذنوبه، هذه إجابة أيضاً ـ ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ ـ متى لا يجاب السؤال ؟ إذا كان الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل ـ قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))

    [ متفق عليه عن أبي هريرة]
    إياك أن تقول هذه الكلمة، دعوت ربي فما استجاب لي، هذا الإنسان لا يستجاب له، استعجلت.

    (( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة، وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا، ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))

    [ متفق عليه عن أبي هريرة]



    بطولة الإنسان أن يسأل الله عزّ وجل و يقبل عليه دائماً من دون حاجة:

    أيها الأخوة، بقي معنىً رائعاً من معاني "المجيب" ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، ما سألته، ولا دعوته، ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، الأب لا ينتظر من ابنه أن يسأله، الأب رأى وجه ابنه مصفراً، أخذه إلى الطبيب دون أن يسأل، الابن سأل في حالات كثيرة الابن لا يسأل، لكن الأب الرحيم، المتمكن يبادر إلى العطاء قبل السؤال.
    إذاً من معاني "المجيب" أنه ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، لكن الحكمة من تأخر العطاء إلى ما بعد السؤال، ما الحكمة ؟ هناك حكمة بالغة جداً، يعني الله عز وجل يحب أن يسمع صوتنا، يحب أن نقبل عليه، يحب أن نسأله، يحب أن نتضعضع أمامه، يحب أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، لأن هذا الاتصال يسعدنا، نحن غافلين عن سرّ سعادتنا، سعادتنا بالإقبال على ربنا، سعادتنا بمناجاته، سعادتنا في التوجه إليه، سعادتنا في التذلل أمامه، هذا شيء يسعدنا، فلذلك يحيجنا إلى شيء، وينتظر أن نسأله، أن ندعوه، أن نتصل به، أن نناجيه، أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، يحب أن يسعدنا بالاتصال به، فيجعل الحاجة وسيلة لهذا الهدف، الأصل أن تتصل به، أنت غافل لا سمح الله، يخلق لك حاجة، أو شبح مصيبة، أو إنسان يتوعدك، يا رب ما في غيرك، سمعنا صوتك، البطولة أن تسأله دائماً من دون حاجة، البطولة أن تقبل عليه دائماً، لكن نحن جميعاً مقصرون، نحتاج إلى من يسوقنا إلى بابه، أحياناً الحاجات التي تنشأ، أشباح المصائب التي تظهر تسوقنا إلى باب الله، وهذا المعنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

    (( عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل ))

    [ البخاري عن أبي هريرة]
    أيها الأخوة، اسم "المجيب" من أقرب الأسماء إلينا، والله ينتظرنا، ويحب أن يجيبنا.






    والحمد لله رب العالمين





     



صفحة 10 من 10 الأولىالأولى ... 8910

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. [®][ شرح أسماء الله الحسنى ][®]
    بواسطة ميدووو في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 27 Jun 2007, 01:53 AM
  2. أسماء الله الحسنى مع الشرح
    بواسطة | كويتيه | في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 29 Jul 2006, 02:10 AM
  3. صور لسماء الله الحسنى
    بواسطة عاشق الحب في المنتدى Gallery آلطَيبّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 05 Jul 2006, 06:40 PM
  4. شرح أسماء الله الحسنى..
    بواسطة عاشق الحب في المنتدى نفحآإتَ إيمآنيةِ
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 25 Jul 2005, 05:14 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •